بعد إقرار مجلس النواب قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ينتظر القانون تصديق رئيس الجمهورية ليصبح نافذا، وتبنى التشريع الجديد، فلسفة فى العقوبات تعكس تشديدًا واضحًا في مواجهة أخطر صور الاحتكار والإخلال بالسوق.
أقر القانون غرامات كبيرة تصل إلى 500 مليون جنيه، إلى جانب عقوبات تكميلية مثل منع مزاولة النشاط، مع إدخال أدوات حديثة أبرزها نظام الإعفاء للمُبلّغين، وتنظيم أكثر دقة للتركزات الاقتصادية، كما سعى القانون إلى تحقيق توازن بين الردع والمرونة الإجرائية من خلال إتاحة التصالح، وتعزيز الشفافية عبر نشر الأحكام، بما يدعم بيئة تنافسية أكثر انضباطًا واستقرارًا.
عقوبات مشددة على الاتفاقات الاحتكارية
حددت المادة (93) عقوبات صارمة على الأفعال المرتبطة بالاتفاقات الأفقية بين المتنافسين، والتي تستهدف التلاعب بالأسعار أو تقاسم الأسواق أو التنسيق في المناقصات.
ونصت المادة على فرض غرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 500 مليون جنيه لكل من يرتكب عمدًا هذه الأفعال بقصد الإضرار بالمنافسة، خاصة في حالات التخطيط أو التنظيم أو الإشراف على المخالفة، أو المساهمة الفعالة فيها، أو إخفائها بوسائل احتيالية.
كما أجازت المحكمة، بالإضافة إلى الغرامة، منع المخالف من مزاولة نشاطه لفترة محددة، مع مضاعفة العقوبة في حالة العود، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو الردع الجنائي القوي.
ونصت المادة 93 التى أقرها مجلس النواب على:
يعاقب بغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولاتجاوز خمسمائة مليون جنيه كل شخص ارتكب عمداً أي من الأفعال المحظورة المنصوص عليها في المادة (4) من هذا القانون بقصد الإضرار بحرية المنافسة، متى اقترن ذلك بأي من الصور الآتية:
1- التخطيط للفعل المحظور أو تنظيمه أو الإشراف على تنفيذه أو تنسيقه بين أطرافه.
2- القيام بدور فعال أو المساهمة المؤثرة في تنفيذ المخالفة.
3- إخفاء المخالفة أو استعمال أي وسيلة اختيال بقصد تنفيذه أو الحيلولة دون كشفها.
وتضاعف الغرامة بحديها في حالة العود.
ويجوز للمحكمة، بالإضافة إلى العقوبات السابقة، أن تقضي بمنع المحكوم عليه من مزاولة مهنته أو نشاطه لمدة لا تزيد على سنة، وفي حالة العود لمدة لا تجاوز خمس سنوات
جدل تحت القبة.. وحسم لصالح «الغرامة المقطوعة»
شهدت المادة (93) نقاشات موسعة، انتهت بالموافقة على مقترح يقضي بتحديد الغرامة كمبلغ مقطوع بدلاً من نسبة من الإيرادات.
وجاء هذا التعديل استجابة لمخاوف تتعلق بصعوبة تطبيق النسب داخل المحاكم، حيث تم التأكيد على أن تحديد مبلغ ثابت يسهم في تسريع الفصل في القضايا وتحقيق العدالة الناجزة.
في المقابل، تم رُفض مقترح بربط الغرامة بنسبة من الأرباح، رغم التحذيرات من أن العقوبات الحالية قد لا تكون كافية لردع بعض الممارسات الاحتكارية ذات الأرباح الضخمة.
نظام «الإعفاء مقابل الإبلاغ»
تبنى القانون في المادة (94) نظام الإعفاء من العقوبة، حيث قرر عدم رفع الدعوى الجنائية ضد أول مُبلّغ يكشف عن الجريمة ويقدم أدلة كافية.
كما منح المحكمة سلطة تخفيف العقوبة لباقي المتورطين حال تعاونهم في كشف الجريمة، مع ضمان حماية هوية المبلغين، بما يعزز من فعالية الكشف عن الممارسات الاحتكارية المعقدة.
تنظيم التركزات الاقتصادية ومكافحة التحايل
حيث نصت المادة ٩٤ كما اقرها مجلس النواب على :فى حالة ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في المادتين (4، 5) من هذا القانون، لا ترفع الدعوى الجنائية ضد أول من بادر من المخالفين بإبلاغ الجهاز عن الجريمة وقدم ما لديه من أدلة على ارتكابها والتي كان من شأنها الكشف عنها وإثبات أركانها.
ويجوز للمحكمة، بالنسبة لباقي المخالفين، أن تعفي المتهم من نصف العقوبة المقررة متى قدرت أنه أسهم في الكشف عن عناصر الجريمة أو إثبات أركانها في أية مرحلة من مراحل التقصي والبحث وجمع الاستدلالات والتحقيق والمحاكمة.
وفي جميع الأحوال لا يجوز الإفصاح أو الكشف عن هوية المبلغ أو من ساهم في الكشف عن الجريمة بما يعرضه للخطر، أو يصيبه بالضرر
تناولت المادة (95) العقوبات المرتبطة بالتركزات الاقتصادية، حيث عاقبت على تقديم بيانات أو مستندات غير صحيحة للحصول على موافقات رسمية، بغرامة تصل إلى 10% من رقم الأعمال أو الأصول أو قيمة العملية.
حيث نصت المادة (95)على : يعاقب بغرامة لا تقل عن (١%) ولا تجاوز (١٠%) من إجمالي رقم الأعمال السنوي أو الأصول أو قيمة العملية لأشخاص محل التركز الاقتصادي أيها أعلى، طبقاً لآخر ميزانية مجمعة معتمدة للأشخاص، كل من ارتكب أيًا من الآتي:
أولاً: حصل على قرار بالموافقة على تنفيذ التركز الاقتصادي طبقاً لأي من المادتين (12، 13) من هذا القانون بناء على تقديم بيانات أو معلومات أو مستندات غير صحيحة مع علمه بذلك.
ثانياً: حصل على موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية على تنفيذ التركز الاقتصادي المشار إليه في المادة (14) من هذا القانون، بناء على تقديم بيانات أو معلومات أو مستندات غير صحيحة للجهاز مع علمه بذلك.
كما شددت المادة (96) على معاقبة عدم الالتزام بقرارات الجهاز الخاصة بالتدابير التصحيحية، بغرامات تصل إلى 100 مليون جنيه، تتضاعف في حالة التكرار.
صلاحيات الجهاز وتجريم عرقلة عمله
جرّم القانون في المادة (97) منع مأموري الضبط القضائي من أداء مهامهم، وفرض غرامات تصل إلى 20 مليون جنيه.
ونصت المادة (97):
يعاقب كل من منع أعضاء الجهاز ممن يتمتعون بصفة الضبطية القضائية من أداء أي من الأعمال المنصوص عليها في المادة (40/ فقرة ثانية) من هذا القانون، بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز ١٠مليون جنيه.
كما عاقبت المادة (98) الامتناع عن تقديم البيانات أو تقديم معلومات مضللة، وربطت الغرامة بنسبة من رقم الأعمال، مع وضع حدود مالية بديلة حال تعذر الحساب.
ونصت المادة (98) :
يعاقب كل من امتنع عن موافاة الجهاز بالبيانات أو الأوراق أو المستندات المشار إليها في المادة (30/ فقرة ثانية) من هذا القانون، بغرامة لا تجاوز نصف في المائة من إجمالي رقم الأعمال السنوي للنشاط محل الفحص وفقاً لآخر قوائم مالية معتمدة، وفي حالة تعذر حساب إجمالي رقم الأعمال السنوي المشار إليه تُحدد الغرامة بما لا يقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز عشرين مليون جنيه.
كما يعاقب كل من قام بإمداد الجهاز ببيانات أو أوراق أو مستندات غير صحيحة مع العلم بذلك، بغرامة لا تقل عن نصف في المائة ولا تجاوز واحد في المائة من إجمالي رقم الأعمال السنوي للنشاط محل الفحص وفقاً لآخر قوائم مالية معتمدة، وفي حالة تعذر حساب إجمالي رقم الأعمال المشار إليه، تحدد الغرامة بما لا يقل عن ثلاثمائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسين مليون جنيه
وفي السياق ذاته، عاقبت المادة (99) على الامتناع عن الحضور أمام الجهاز دون عذر، بغرامة تصل إلى 250 ألف جنيه.
مسؤولية تضامنية وامتداد العقاب للإدارة الفعلية
أكدت المادة (100) على المسؤولية الجنائية للمسؤولين عن الإدارة الفعلية داخل الشركات، حال ثبوت علمهم بالمخالفات، مع تحميل الشخص الاعتباري المسؤولية التضامنية عن العقوبات المالية والتعويضات.
ونصت المادة (100) على : يعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري بذات العقوبات المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام المواد (93.95، 96، 97، 98، 102) من هذا القانون، إذ ثبت علمه بها وكان إخلاله بالواجبات التي تفرضها عليه تلك الإدارة قد أسهم في وقوع الجريمة.
ويكون الشخص الاعتباري مسئولاً بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية وتعويضات على العاملين التابعين له، إذا كانت المخالفة قد ارتكبت من أحدهم باسم الشخص الاعتباري أو لصالحه.
كما جرمت المادة (101) إفشاء أسرار الجهاز أو بياناته، لحماية سرية التحقيقات وضمان فعاليتها.
تسعير استثنائي وعقوبات صارمة للمخالفين
نصت المادة (102) على معاقبة مخالفة قرارات التسعير الصادرة من مجلس الوزراء، باعتبارها تدخلًا استثنائيًا لحماية السوق، بغرامات تصل إلى 5 ملايين جنيه.
ضوابط تحريك الدعوى والتصالح
وضعت المادة (103) آلية واضحة لتحريك الدعوى الجنائية، حيث اشترطت طلبًا من رئيس الجهاز، مع إتاحة التصالح قبل أو بعد تحريك الدعوى وفق ضوابط مالية محددة.
ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية، في توجه يوازن بين الردع وتخفيف العبء على القضاء.
نشر الأحكام لتحقيق الشفافية
ونصت المادة (١٠٣)كما اقرها المجلس على:
فيما عدا الجريمة المؤثمة بالمادة (102) من هذا القانون، لا يجوز تحريك الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات فيها بالنسبة إلى الأفعال المخالفة لأحكام هذا القانون إلا بطلب كتابي من رئيس الجهاز بناء على موافقة أغلبية أعضائه.
ولمجلس الإدارة، بناء على موافقة أغلبية أعضائه، التصالح في أي من الأفعال المخالفة لأحكام هذا القانون، وذلك على النحو التالي:
(أ) قبل طلب رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات فيها مقابل أداء مبلغ لا يجاوز الحد الأدنى للغرامة المقررة.
(ب) بعد طلب رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات فيها وإلى ما قبل صدور حكم بات مقابل أداء مبلغ لا يقل عن ثلاثة أمثال الحد الأدنى للغرامة المقررة ولا يجاوز نصف حدها الأقصى.
ويعتبر التصالح بمثابة تنازل عن طلب رفع الدعوى الجنائية، ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية عن ذات الواقعة التي صدر بشأنها طلب رفع الدعوى.
أقرت المادة (104) نشر الأحكام النهائية سواء بالبراءة أو الإدانة في الجريدة الرسمية وصحيفتين واسعتي الانتشار، بهدف حماية سمعة المتعاملين وتعزيز الشفافية في السوق.
مواد مستحدثة لضبط العلاقة بين المسارات القانونية.
مواد مستحدثة
تضمن القانون مواد جديدة، اقرها مجلس النواب أبرزها منع الجمع بين المسار الجنائي والجزاءات الإدارية في بعض الحالات، بما يحقق الفصل بين السلطات العقابية.
حيث نصت المادة على :لايجوز لمجلس إدارة الجهاز توقيع الجزاء الادارى والمالى عن أي من المخالفات المنصوص عليها في المادة 17 من هذا القانون إذا ما طلب رئيس الجهاز تحريك الدعوة الجنائية بشأنها كما تضمنت المواد الجديدة مادة أخرى تنظم العلاقة بين جهاز حماية المنافسة والهيئة العامة للرقابة المالية، عبر آلية تنسيق إلزامية قبل توقيع الجزاءات في الأنشطة الخاضعة لرقابة الهيئة.
وفى الأحوال التى يتعرض فيها الفحص أو التحقيق بمخالفة محسوبة لشخص فيما يتعلق لنشاط خاضع لإشراف ورقابة الهيئة العامة للرقابة المالية يتعين على الجهاز قبل توقيع الجزاء المالى الإداري استطلاع رأى الهيئة ويكون ذلك باخطار كتابى يوجه إلى الهيئة يتضمن البيانات اللازمة لابداء الرأى الفنى وعلى الاخص تحديد الشخص أو الأشخاص محل الفحص او التحقيق وبيان النشاط محل الرقابة وملخصا للوقائع محل الفحص والتكييف القانوني المبدئي لها وعلى الهيئة موافاة الجهاز برأيها كتابة خلال مدة لاتجاوز عشرة أيام عمل من تاريخ تسليمها الإخطار وفي حالة فواتها هذه المدة دون رد من الهيئة يجوز للجهاز السير في إجراءات توقيع الجزاء الإداري المالي وفقاً لأحكام هذا القانون وتتلزم الهيئة بالمحافظة على سرية ما يرد إليها من معلومات أو بيانات أو مستندات في إطار هذا التنسيق وتسري على رئيس الهيئة وأعضاء مجلس ادارتها والعاملين بها بالنسبة إلى ما يرد إليها تطبيقا لحكم هذه المادة أحكام السرية وعدم الإفصاح النوصوص عليها بالمادة 39 الفقرات الأولى والثانية والثالثة من هذا القانون
في المقابل، رفض المجلس إدراج نصوص خاصة بتنظيم المنافسة في الاقتصاد الرقمي والمنصات التكنولوجية، رغم المطالبات بضرورة مواكبة التطورات الحديثة.
سوق أكثر انضباطًا
يعكس القانون توجهًا واضحًا نحو بناء بيئة تنافسية عادلة، من خلال تشديد العقوبات على الممارسات الاحتكارية، وتبني أدوات حديثة مثل الإعفاء مقابل الإبلاغ، مع ضمانات إجرائية تحقق التوازن بين حقوق المتهمين ومتطلبات حماية السوق، ويُتوقع أن يسهم القانون في تعزيز ثقة المستثمرين، وتحقيق استقرار الأسواق، وحماية المستهلك من الممارسات الضارة.