** المنطقة تحتاج بديلًا إقليميًا والعلاقة بين السيسي وترامب قوية لكن دعم الاقتصاد المصري ليس مسألة سهلة
قالت ميريت مبروك، المسؤولة عن ملف مصر في معهد الشرق الأوسط، للدراسات بواشنطن، إن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أظهرت ما كان كامنًا، ونقلت التوتر في علاقة دول الخليج بإيران، التي كانت تشبه علاقة أهل الحارة بالفتوة، إلى العلن.
وأضافت أن الخليج كان يتجنب شر إيران ما دامت الأمور تسير بهدوء، لكن مع أول أزمة ظهر الخلل.
تأثير حرب ايران على دول الخليج
وأوضحت أنه مع بداية الحرب، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، كان الجميع يدرك أن دول الخليج ستكون أول المتأثرين بذلك.
وذكرت، خلال لقاء مع الوفد الصحفي المصري المرافق لبعثة طرق الأبواب الأخيرة، التي نظمتها غرفة التجارة الأمريكية برئاسة عمر مهنا، أن القوة العسكرية الإسرائيلية كبيرة ولا خلاف عليها، لكن من الصعب قبول ما يردده البعض من أن إسرائيل دولة صغيرة محاطة بالأعداء، فمنذ توقيع مصر اتفاقية السلام عام 1979 أصبحت إسرائيل محصنة من أي هجوم خارجي، ولم تعد هناك دولة عربية تهاجمها، بينما أصبحت مشكلاتها الرئيسية داخلية ومرتبطة بالاحتلال.
وأضافت أن هناك أيضًا تهديدات من الخارج مثل حزب الله، لكنها ترتبط كذلك بالاحتلال في لبنان، مؤكدة أن ذلك لا يعني أن إيران مظلومة، فهي عنصر مزعزع للاستقرار في المنطقة، إلا أنها كانت تخضع لقدر من الاحتواء قبل إلغاء الاتفاق النووي على يد Donald Trump في ولايته السابقة. وقالت إن الضغط على إيران وضعها أمام خيارين: التصعيد أو الانهيار.
وأضافت أنه قيل مع اندلاع الحرب إن الإيرانيين سعداء لأنهم يكرهون حكومتهم ويحبون الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن هذا غير دقيق، فهم قد يرفضون حكومتهم، لكنهم لا يكرهون وطنهم.
وأشارت إلى أن النظام الإيراني مارس قمعًا شديدًا ضد شعبه، وأن أعداد الضحايا خلال السنوات الأخيرة غير محسومة، بينما المؤكد أن النظام لا يبالي بعدد القتلى، بل يعتبر ارتفاع الأرقام وسيلة لتعزيز نفوذه.
الهجمات على الخليج
وقالت إن دول الخليج لا يمكن لومها على القلق الذي أصابها، فالأمر لا يتعلق بالهجمات فقط، بل إن هذه الدول، وخاصة الإمارات، عملت لأكثر من ثلاثين عامًا على بناء صورة لنفسها باعتبارها المكان الأمثل للعيش الآمن والعمل وتحقيق الأرباح، وقد انتقلت إليها آلاف الشركات من مصر وغيرها.
وأضافت أن هذه الصورة تعرضت لاهتزاز كبير خلال عشرة أيام فقط، وأن الإمارات تعرضت لهجمات أكثر من أي دولة أخرى، بل أكثر من إسرائيل، ما دفع بعض الشركات إلى إعادة حساباتها.
وأشارت إلى وجود تساؤلات بشأن حجم الضربات التي تعرضت لها إيران وما إذا كان هناك تعتيم عليها، مؤكدة أن هناك تعتيمًا بالفعل، لأن السلطات تريد من جهة تقليل القلق، ومن جهة أخرى تريد أن يعرف الناس أنها تعرضت لهجمات.
وأكدت أن باكستان قامت بخطوة لافتة عندما أرسلت طائرات إلى السعودية، في رسالة واضحة لإيران بأن أي هجوم لن يمر دون رد.
وأضافت أن هذه الخطوة تطرح احتمال دخول باكستان، وهي قوة نووية، في الصراع، كما قد تضيف بعدًا طائفيًا بسبب التنوع الديني داخلها.
وأوضحت أن هذه الخطوة جاءت ضمن اتفاق دفاعي بين السعودية وباكستان، وأسهمت في تهدئة الأوضاع، لأن الإيرانيين يتمتعون بقدر كبير من الذكاء السياسي، وسعوا إلى احتواء التصعيد.
وقالت ردا علي أسئلة الوفد المصري، إن إيران لا ترغب في تصعيد الأمور بصورة مفرطة، بل تسعى إلى الخروج من الأزمة في وضع أفضل، وقد تطالب بتعويضات تدرك أنها لن تحصل عليها، وربما تحاول فرض نوع من الإتاوة السياسية، وهو ما يضع دول الخليج في موقف صعب بعد ما تعرضت له من ضربات وإهانات.
مصر ترفض أي اعتداءات على الخليج
وعن دور مصر، أوضحت أن القاهرة طلبت، بحسب ما تعلم، أن تبقى جهودها غير معلنة لأنها منخرطة في المفاوضات، ولا يمكن أن تكون طرفًا، ولذلك يجب أن تبقى محايدة، مع رفضها الواضح لأي اعتداءات إيرانية على دول الخليج.
وقالت إن الإمارات شعرت بأنها تُركت دون دعم كافٍ من دول الخليج أو الجامعة العربية أو الأمم المتحدة، رغم تنفيذ بعض ما طلبته، لكن المشكلة تزداد حدة لأنها تدرك أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تعلمان بما سيحدث، ومع ذلك مضتا فيه.
وأضافت أن هذا يعني أن رضا دول الخليج ليس أولوية مطلقة، وأنه يمكن التضحية به عند الضرورة.
وأكدت أن الهيكل الأمني الإقليمي الحالي لم يعد فعالًا، لأن الولايات المتحدة نفذت ما أرادته، بينما تعرض الآخرون للضرر دون رد يُذكر.
وقالت إنه لا أحد سيتخلى عن الولايات المتحدة، ولن يستطيع أحد أن يحل محلها كضامن أمني رئيسي، لكن لا بد من وجود بديل احتياطي يكون إقليميًا.
وأضافت أن الصين لن تتدخل في هذا الملف، لأنها تفضل المراقبة من بعيد والتركيز على مصالحها الاقتصادية واستثماراتها، دون الانخراط في صراعات من هذا النوع.
وأشارت إلى أن مصر طرحت منذ سنوات فكرة إنشاء هيكل أمني إقليمي، وتحديدًا منذ عام 2015، بل وقبل ذلك منذ إعلان دمشق عام 1991، حين كان من المفترض أن تمول دول الخليج الترتيبات الأمنية بمشاركة مصر وسوريا، لكن بعض الدول فضلت لاحقًا الاعتماد على الولايات المتحدة مقابل كلفة أقل من بناء جيوش ضخمة.
وقالت إن الولايات المتحدة زودت هذه الدول بأسلحة وأنظمة متقدمة، لكنها تظل خاضعة لسيطرتها، بحيث يمكن تعطيلها عن بُعد، وهو أمر لا يقتصر على المنطقة فقط، بل يشمل أوروبا أيضًا، وكأنك تشتري سيارة يستطيع شخص آخر إيقافها من منزله.
وأكدت أن أي تفكير إسرائيلي في الاعتداء على مصر سيكون تصرفًا شديد الغباء، موضحة أن مصر تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش النظامية في المنطقة، ورغم الفارق التكنولوجي لصالح إسرائيل بفعل الدعم الأمريكي، فإن الضغط الحقيقي على مصر لن تكون كلفته سهلة على أي معتدٍ.
وأضافت أن الإسرائيليين يخوضون حربًا منذ سنوات، وقد أُنهكوا نفسيًا وعسكريًا، مع ارتفاع حالات الانتحار والاكتئاب بين الجنود، نتيجة الاستنزاف المتواصل، بينما لم يتأثر المواطن الإسرائيلي بالدرجة نفسها.
وقالت ميريت مبروك إن ما سيحدث في النهاية داخل إسرائيل هو تغيير في الوضع القائم، حتى لو لم يكن حلًا تقليديًا، لأن الواقع الحالي غير قابل للاستمرار، ولأنهم مهما حاولوا فلن يتمكنوا من القضاء على الجميع.
وأشارت إلى أن الضغط الدولي على إسرائيل بدأ يتزايد، سواء عبر الإعلام أو الرأي العام، مع دعوات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل فرض قيود على حركة الإسرائيليين، أو مراجعة الامتيازات التي يحصلون عليها في التأشيرات والمعاملات التجارية. وأضافت أن عددًا متزايدًا من السياسيين يرفضون تلقي تمويل من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كما بدأ بعض الناخبين معاقبة سياسيين بسبب مواقفهم من القضية الفلسطينية.
وقالت إن هذا يعكس تحولًا تدريجيًا في الرأي العام الأمريكي، خاصة مع شعور المواطنين بأن أموال ضرائبهم تُستخدم في سياسات لا يوافقون عليها. وأضافت أن بعض مؤيدي Donald Trump يرونه ناجحًا لأنه نفذ ما وعد به، حتى لو أضرت بعض سياساته بالمواطنين، مثل الرسوم الجمركية التي رفعت الأسعار، معتبرة أن ذلك أحد أوجه خلل الديمقراطية حين يصوت الناس لسياسات لا تخدم مصالحهم المباشرة.
وأكدت أن نسبة تأييد ترامب منخفضة، وهناك قلق من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، مع توقع تغييرات في تركيبته، وربما تكون أكبر من المعتاد هذه المرة.
ما يحدث في غزة يمثل انتهاكات
وأضافت أن هناك مرشحين جددًا يحققون تقدمًا، بينهم مرشح في ولاية Maine انتقد السياسات تجاه إسرائيل، وقال إن ما يحدث في غزة يمثل انتهاكات تستوجب محاسبة الحلفاء عند ارتكاب أخطاء، استنادًا إلى قوانين تقضي بوقف المساعدات إذا استُخدمت في انتهاكات لحقوق الإنسان، لكنها لا تُطبق على إسرائيل كما تُطبق على دول أخرى.
وأشارت إلى وجود تحول داخل المجتمع الأمريكي، بما في ذلك بين بعض اليهود الأمريكيين الذين بدأوا يرفضون ما يحدث باسمهم، معتبرة أن ذلك يمثل خسارة كبيرة لإسرائيل على مستوى صورتها الدولية.
وقالت إن العلاقة بين الرئيس السيسي وترامب قوية، لكن المطالبة بدعم أمريكي مباشر للاقتصاد المصري تحتاج إلى تأمل، لأن الاقتصاد الأمريكي نفسه يمر بتحولات كبيرة، وتم إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، كما جرى تسريح مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين، وتواجه البلاد تحديات ضخمة.
وأضافت أن الدعم المطلوب لمصر لا يقتصر على الجانب المالي، فهناك أشكال أخرى من الدعم، مشيرة إلى أن وزير الخارجية الأمريكي كان له دور إيجابي في ملف إثيوبيا، وقد ينعكس ذلك دعمًا لمصر في ملفات أخرى مثل السودان وليبيا. وأكدت أن مصر لا تحتاج فقط إلى الأموال، بل إلى مواقف عقلانية في القضايا الحاسمة، لأن أمنها عنصر أساسي لاستقرار المنطقة بأكملها.
واختتمت بقولها إن مقولة إن مصر أكبر من أن تفشل تبدو جميلة لكنها غير دقيقة، فلا توجد دولة محصنة من الفشل، لكن هناك دولًا يكون لفشلها ثمن باهظ على الآخرين، وهذا ينطبق على مصر، لأن أي اضطراب فيها ستكون له تداعيات كبيرة على المنطقة وأوروبا وإسرائيل ودول الخليج، بل وعلى العالم بأسره.

صورة جماعية

ميريت مبروك خلال اللقاء