في ظل الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة لدعم قطاع الزراعة وتعزيز الأمن الغذائي باعتباره جزءا من الأمن القومي المصري، وما تنفذه الدولة من مشروعات قومية وتنموية كبرى لتعزيز الإنتاج الزراعي ومنها مشروع المليون ونصف المليون فدان ومشروع مستقبل مصر، وتحقيق طفرة في تنمية الصادرات وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية، بات من الضروري وجود نظرة حقيقية إلى التحديات في ملف القطاع الزراعي.
فرغم الجهود الكبيرة التي أدت إلى تحسن أداء قطاع الصادرات الزراعية المصرية إلا أنه يوجد عجز في الميزان التجاري الزراعي، حيث لا تزال الصادرات الزراعية المصرية أقل كثيراً من الإمكانيات المتاحة، ومن مثيلتها في الدول المنافسة، فهناك عدد من التحديات التي تواجه الصادرات الزراعية، منها ما يتعلق بالتسويق المحلي والخارجي، وضعف التواصل بين المصدرين وصانعي السياسات، وضعف الروابط بين حلقات السلاسل التصديرية.
كما تعاني المنظومة من غياب المعلومات والبيانات المتعلقة بالتسويق وقصور التمويل المخصص لصغار ومتوسطي المزارعين التصديريين، وصعوبات الشحن وعدم توافر أسطول وطني للنقل البحري، وغياب مراكب الشحن السريعة وارتفاع تكلفة الشحن.
وتواجه المنتجات الزراعية المصرية تحديات حقيقية في التسويق والتصدير، سواء بسبب تعدد الوسطاء، أو تقلبات الأسعار، أو ضعف النفاذ المنظم للأسواق الخارجية، مما يحد من تعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي.
يأتي ذلك بالإضافة إلى الأعباء المالية الكبيرة التي تواجه المزارعين والمستثمرين الشباب في ظل نقص التمويل، وكذلك البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الخاصة بالترخيص للمصانع وتوفير الأراضي للمستثمرين، والصعوبات التي تواجه المزارعين خاصة في تسعير المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار أدوات ومستلزمات الإنتاج، ووجود نقص في بعض المحاصيل الاستراتيجية الهامة اللازمة للتصنيع الزراعي، بجانب نقص المعلومات والبيانات عن التصنيع الزراعي وغياب التسويق للحوافز والفرص الاستثمارية المتاحة.
أما بالنسبة للتسويق للمنتجات الزراعية، فهناك عائق يتمثل في غياب مفهوم التسويق الزراعي وعدم استغلال الأدوات المتاحة وعدم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في التسويق، فضلاً عن الفجوة الكبيرة بين المزارعين والمستثمرين الزراعيين والجهات الحكومية المعنية وغياب التواصل والحوار.
لذا تقدمت باقتراح برغبة في مجلس الشيوخ لإنشاء هيئة أو شركة متخصصة تتولى مسؤولية تسويق وتصدير المنتجات الزراعية المصرية، لحل إشكالية غياب التسويق، على أن تعمل كحلقة وصل مباشرة بين الفلاح والأسواق المحلية والعالمية، من خلال شراء المحاصيل والمنتجات الزراعية من المزارعين بأسعار عادلة ومعلنة، وتتولي عمليات الفرز والتعبئة والتغليف والتخزين، ثم تصديرها وفقًا للمعايير الدولية المطلوبة.
ويستهدف اقتراح إنشاء الهيئة أو إدارة التسويق الزراعي حماية الفلاح المصري من استغلال الوسطاء وضمان هامش ربح عادل ومستقر، وتنظيم عملية التصدير الزراعي ورفع تنافسية المنتج المصري في الأسواق الخارجية، وكذلك تقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية نتيجة ضعف التسويق أو التخزين، وزيادة حصيلة الدولة من النقد الأجنبي عبر تعظيم الصادرات الزراعية، وتوحيد الجهود الحكومية بدلاً من تشتتها بين جهات متعددة دون مظلة واحدة واضحة.
وتستهدف هيئة أو شركة التسويق الزراعي القيام بتسويق المنتجات الزراعية التي ينتجها الفلاحون ومنتجات المشروعات الزراعية المختلفة لتتولى التسويق نيابة عن الفلاح، على أن تدرس الأجندة الزراعية لكل الدول التي تزرع وتحدد احتياجات كل دولة من السوق الزراعية لاستهداف تصدير المنتجات الزراعية المصرية إلى أسواق محددة وفقا لاحتياجاتها، على أن تكون هذه الهيئة أو الجهة مختصة بالتسويق والتصدير ومسئولة عن شراء المنتج واستلامه من الفلاح وتصديره.
على أن تضم الهيئة ممثلين عن كافة الجهات الفاعلة في مجال الحاصلات الزراعية، والعمل على توقيع مزيد من بروتوكولات التعاون التجاري مع الدول التي لديها فرص استيراد المحاصيل الزراعية من مصر، كما يجب الاستفادة في هذا الصدد من عضوية مصر في اتفاقية الكوميسا واتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية وتجمع البريكس، مع أهمية الانفتاح على الأسواق الإفريقية والآسيوية والعربية والبحث عن أسواق جديدة لزيادة الصادرات الزراعية المصرية.
إن إنشاء هيئة أو شركة متخصصة للتسويق للمنتجات الزراعية، سيضع حلول لمشكلة التسويق الزراعي، حيث وفقا المقترح تتولى وضع آلية تسعير عادلة لشراء المحاصيل من الفلاحين، وفصل الإنتاج عن التوزيع والتسويق، من خلال إنشاء شركة متخصصة في تسويق المنتجات الزراعية المصرية، فتجارب فصل إنتاج المزارعين عن تسويقها تجربة ناجحة في العديد من الدول.
وهناك ضرورة ملحة للاهتمام بالتسويق للمنتجات الزراعية المصرية، والتوسع في إنشاء المكاتب التجارية بالأسواق الخارجية والعمل على تفعيل أداء مكاتب التمثيل التجاري، وضرورة الاستفادة من الخبرات الدولية الناجحة في مجال التسويق الزراعي والتصدير، كما يجب الاهتمام بإقامة المعارض الدولية للتسويق للمنتجات المصرية وكذلك تسويق وعرض فرص الاستثمار الزراعي في مصر.
وضرورة فتح أسواق جديدة لزيادة صادرات الخضر والفاكهة، والتنسيق بين وزارات الزراعة والتجارة والصناعة والمالية لتذليل معوقات التصدير الزراعي، والتحقق من اتخاذ محطات تعبئة الصادرات الزراعية كافة الاحتياطات الصحية المطلوبة، وتكثيف أعمال الأجهزة الفنية للحجر الزراعي في الموانئ والمنافذ الحدودية لتسهيل أعمال تصدير الحاصلات الزراعية وفقا للمعايير الدولية.
فضلاً عن أهمية تطبيق نظام التتبع للمنتجات التصديرية خلال مراحل الزراعة والإنتاج والتعبئة والتصدير، والتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية والمنتجات الزراعية ذات الطلب الكبير في الأسواق الدولية، وضرورة توفير الدعم لصغار المزارعين من الشباب، وفتح مجالات للاستثمار الزراعي في المحافظات الحدودية.
وأصبح من الضروري التوسع في إقامة الصناعات المرتبطة بالنشاط الزراعي والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية، والاهتمام بإقامة مزارع للإنتاج الحيواني بها، الاهتمام بالتصنيع الزراعي وأن يكون ضمن اختصاصات الهيئة أو الشركة التسويق لمنتجات التصنيع الزراعي لأنه يساهم في خلق قيمة مضافة للمنتجات الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي ودفع عجلة الإنتاج وتنمية الصادرات وتوفير فرص العمل، لذلك يجب إعداد إستراتيجية محددة للتصنيع الزراعي .
بالإضافة إلى ذلك يجب إنشاء مناطق زراعية متكاملة مجهزة بأحدث التقنيات التكنولوجية، وإقامة مناطق صناعية بجوار مناطق زراعية، وتسهيل عمليات طرح الأراضي الزراعية للمستثمرين، وزيادة التيسيرات والإعفاءات الجمركية والضريبية والتمويلية لمنتجي ومصدري الصادرات الزراعية ومستلزمات الإنتاج للمصانع الزراعية، والتوسع في تطبيق نظام تكويد المزارع الذي تنتهجه مصر حاليا لمنع أي تلاعب في جودة الصادرات الزراعية.
إن لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ ناقشت الاقتراح في اجتماعها أمس الاثنين، بحضور ممثلي الحكومة، وكان هناك توافق كبير على الفكرة والهدف، وإدراك لأهمية التسويق الزراعي ودوره في إحداث نقلة وطفرة حقيقية في تعزيز الإنتاج وتنمية الصادرات ودعم الفلاح المصري.