لفتت انتباهي مؤخرا ظاهرة غريبة وعجيبة، هي تحويل الرثاء والحزن إلى مقاطع فنية ممزوجة بالطرب والرقص، يتمايل عليها البعض غير مبالين بما تحويه هذه الكلمات من حزن ووجع ربما عن جهل منهم أو عدم اكتراث.
وظهر ذلك جليا عند متابعتي منصات التواصل الاجتماعي، أبرزها إنستجرام وفيس بوك، حيث ظهرت أمامى مقاطع فيديو لأشخاص يتراقصون ويتمايلون على أغنية لأحد المطربين السوريين بعنوان "غطيت شعري والوجه والهبري"، فشدّت انتباهي كلمات هذه الأغنية، وبحثت عن مصدر هذه الكلمات، فوجدت أنها تعود إلى "لطمية" ريفية عراقية قديمة، وتحديدًا في مناطق جنوب العراق، وهي عبارة عن مرثية حزينة كانت ترددها النساء العراقيات لرثاء الأخ أو الابن المتوفى، تعبيرا على مدى شدة الحزن ومرارة الفقد.
ليست هذه الواقعة فحسب، فهناك أيضا أغنية بعنوان "Papaoutai" ومعناها "أبي أين أنت"، وهي واحدة من أشهر الأغاني الفرنسية للمغني البلجيكي ستروماي، وتدور كلماتها عن غياب الأب وفقدانه، حيث يشير صاحب الأغنية إلى فقدانه أبيه في الإبادة الجماعية في رواندا، إذ ربطها البعض بمقاطع كوميدية عبر مواقع التواصل الاجتماعي تنافي ما تعنيه هذه الكلمات من ألم وحزن صاحبها.
تكرار هذه الظاهرة مؤخرا يدق ناقوس الخطر حول عدم المبالاة بمشاعر الآخرين، وعدم الاكتراث لحزنهم وآلامهم، وهذا ما لم نعهده في الماضي، وعكس ما تعلمناه منذ طفولتنا عن مشاركة الآخرين حزنهم ومواساتهم، لهذا يجب التوعية بخطورة هذه الظاهرة ومواجهتها والتحذير منها حتى لا نكون أمام مجتمع مشوه فاقد للمشاعر والأحاسيس.