لا شك أن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" تعد المشروع التنموي الأهم والأضخم في تاريخ مصر الحديث، حيث تستهدف تغيير واقع الريف المصري الذي عانى من التهميش لعقود طويلة.
الشاهد أن المبادرة تتميز بشموليتها، فهي لا تقتصر على قطاع بعينه، بل تمتد لتشمل تطوير البنية التحتية بالكامل من صرف صحي، ومياه شرب نقية، وكهرباء، واتصالات، إلى جانب بناء المدارس والمراكز الطبية والمستشفيات.
كل هذه الجهود تصب في مصلحة المواطن أولًا وقبل كل شيء، وتعمل على تعزيز مظلة الحياة الاجتماعية وتحقيقها، بجانب بناء قدرات النشء والشباب، وهذا هو ملخص رحلة كفاح ورحلة نجاح خاضتها المؤسسة في الأعوام الستة الماضية.
ولعلنا لا نبالغ حين نقول إن مؤسسة "حياة كريمة" تعمل في جميع المجالات التنموية ومنها الدعم الطبي والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، ودعم الحالات الإنسانية، والدعم الغذئي، والإغاثي الدولي، الذي أضيف إلى لائحة عمل المؤسسة بعد الأزمة التي يُعاني منها الأشقاء في فلسطين.
وفي التطبيق العملي الشامل، فإن العاملين في المبادرة ينزلون في كل مركز أو قرية أو نجع، بقوافل تنموية شاملة وقوافل طبية وقوافل بيطرية ودعم غذائي ودعم طبي. هذه القوافل التنموية الشاملة بكل أنواعها والقوافل الطبية تعد تجسيدًا لمفهوم التخطيط الشامل والتنمية الكاملة لمؤسسة "حياة كريمة".
إن استقراء الاسم مهم في هذا الصدد؛ إذ إن "حياة كريمة" تضع تحت مظلتها حقوق المواطن في الماء والعلاج والتعليم والاتصال، مع عدم الربط بين هذه الحقوق وخريطة السكن، لأن المعيار الأساسي هو قيمة المواطنة ذاتها؛ ولذا استحوذت محافظات الصعيد وحدها على 68% من مخصصات المرحلة الأولى واستفاد منها 61% من إجمالي المستفيدين، وذلك بعد عقودٍ من التهميش.
ومن واقع المتابعة الدقيقة لأنشطة "حياة كريمة"، نرى أن الدولة المصرية بقيادتها السياسية الواعية، نجحت في إنجاز المرحلة الأولى من المبادرة وتستعد للمراحل التالية، رغم التحديات والأزمات الاقتصادية العالمية المتتالية، وهذا أمرٌ يستحق الإشادة والثناء.
إننا أمام مشروع تنموي ضخم استهدف في المرحلة الأولى 18 مليون مواطن في 1500 قرية، بتكلفة تجاوزت 350 مليار جنيه. أما المرحلة الثانية فتستهدف 1667 قرية في 20 محافظة بدأ تنفيذ مستهدفاتها، وفي الوقت نفسه تستمر الدولة في استكمال المرحلة الأولى بوتيرة واضحة، حيث أنجزت مشروعات في 610 قرى، في حين وصلت 745 قرية إلى معدلات تنفيذ بين 80 و95%.
وفي تقديرنا أن هذا المشروع القومي يمهد لتحويل القرى المصرية إلى مراكز إنتاجية حقيقية تدعم الاقتصاد المحلي، وهذا يعني ببساطة تحرير المواطن المصري من قيود الجغرافيا والظروف الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة، مع العمل على إعادة بناء المشهد الريفي على أساس التكامل: مياه وصرف صحي، تعليم وصحة، اتصالات وكرامة معيشية.
إننا نتكلم عن انتقال فعلي من الاحتياج المزمن إلى حضور الدولة المنظم والفاعل، حيث بدأ المواطن يلمس جهود الدولة في جميع تفاصيل حياته اليومية.
ولأن لغة الأرقام هي الأكثر دقة ودلالة، فإننا نقول إن "حياة كريمة" تمتلك في رصيدها 23 ألف مشروع وأكثر من 16 ألف تم الانتهاء منه. وفي التفاصيل، نرى زيادة المشتركين في الصرف الصحي بنسبة 45%، وفي مياه الشرب 14%، وفي الغاز الطبيعي 299%.
ولعله من الضرورة بمكان أن نشير إلى تكثيف الاهتمام بالشق التعليمي في هذه المبادرة العظيمة؛ إذ تم إنشاء وتطوير 15 ألف فصل وصيانة 1300 مدرسة ومحو أمية 510 آلاف مواطن، مما يمثل قياسًا حقيقيًا لأثر المبادرة على بناء الإنسان. إن هذه المبادرة تُعيد رسم مستقبل التعليم في قرى ونجوع مصر وتُحقق نقلة نوعية في مستوى الخدمات التعليمية، مثلما جرى في قرية "نهطاي" بمحافظة الغربية، التي شهدت تنفيذ حزمة كبيرة من مشروعات التطوير في مختلف المرافق والخدمات العامة. ويأتي إنشاء وتشغيل أول مدرسة للتعليم الأساسي تضم مختلف المراحل من رياض الأطفال حتى المرحلة الإعدادية بإجمالي 55 فصلًا، على رأس هذه الجهود، بما يسهم في الارتقاء بالمستوى التعليمي لأبناء القرية وتوفير بيئة تعليمية حديثة وآمنة.
وفي كل قرية ومركز ونجع، تمثل "حياة كريمة" إضافة نوعية قوية للمنظومة التعليمية، حيث تضيف فصولًا دراسية مجهزة لكافة المراحل التعليمية وفق أحدث المعايير، بما يوفر بيئة تعليمية متكاملة جاذبة للطلاب، ويسهم في تحسين جودة العملية التعليمية وتقليل الكثافات داخل الفصول.
ولعل ما كشفت عنه الأيام القليلة الماضية من دورٍ بارز ومؤثر لمبادرة "حياة كريمة"، لدليلٌ آخر على النقلة النوعية التي أحدثتها المبادرة في سيناء، حيث شهدت أرض الفيروز تطويرًا شاملًا في البنية التحتية والخدمات الأساسية. وفي مقدمة مساهمات "حياة كريمة" في سيناء، تطوير قطاع التعليم، الذي شهد إنشاء مدارس حديثة ورفع كفاءة المدارس القائمة، كما تم تطوير المساجد ودور العبادة، فضلًا عن إنشاء مستشفيات ومعاهد صحية جديدة وتحديث القائم منها.
ويمكن الإشارة إلى إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة ورفع كفاءة الطرق القائمة، إلى جانب محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، مما وفر أساسًا قويًا للتنمية.
هذا السباق مع الزمن في المشروعات التعليمية في القرى والمراكز والنجوع، بدأ يؤتي ثماره، ويسهم في خفض الكثافة الطلابية، وإلغاء الفترات المسائية بالمدارس، بما يعزز من كفاءة وانتظام العملية التعليمية ويرتقي بمستوى الخدمات المقدمة للطلاب.
وربما حان الوقت كي يعمل الإعلام على توفير تغطية أكثر اقترابًا من الواقع، لرصد النتائج الإيجابية لهذه المبادرة، والكشف عن حجم التأثير الإيجابي لمبادرة "حياة كريمة" في إحداث نقلة نوعية حقيقية في ربوع مصر، من خلال ما وفرته من مشروعات خدمية وتنموية متعددة، كان لها مردود مباشر على تحسين جودة الحياة اليومية للمواطنين.
إن إنشاء وتشغيل مدارس تعليم أساسي متكاملة تضم مختلف المراحل الدراسية في موقع واحد في عدة محافظات مصرية، يُعد من أبرز مشروعات هذه المبادرة، حيث ساهم في تحسين المستوى التعليمي للطلاب، وتوفير بيئة تعليمية جاذبة داخل القرية دون الحاجة إلى الانتقال إلى مدارس خارجية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على انتظام العملية التعليمية وارتفاع مستوى التحصيل الدراسي لأبناء محافظات مصر.
إن الكرامة الإنسانية حقٌ أصيل وليست امتيازًا، ولعل هذا ما يصل إليه أي مستقرئ لمبادرة "حياة كريمة" التي تقف وراءها إرادة سياسية ورؤية وطنية حكيمة تستحق التقدير.