قياتى عاشور

مقصلة "المشارك المجهول".. كيف تغتال السوشيال ميديا سمعة الأبرياء؟

الإثنين، 27 أبريل 2026 01:18 م



بضغطة زر واحدة، ومن خلف شاشة مضيئة، بات بإمكان أي شخص أن ينصب "مشنقة رقمية" لتدمير سمعة إنسان، أو خراب بيت، أو إفلاس مشروع تجاري. لقد تحولت منصات السوشيال ميديا في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه "محاكم التفتيش" الحديثة، حيث يُمارس التشهير والابتزاز تحت ستار الخفاء، في ظاهرة مجتمعية بالغة الخطورة يمكن تشخيصها بـ "الاغتيال المعنوي الممنهج".

وتتخذ آلة التدمير هذه في الفضاء الرقمي شكلين رئيسيين؛ يتمثل الشكل الأول في استغلال خاصية النشر تحت اسم "مشارك مجهول" (Anonymous) داخل المجموعات (الجروبات) الكبرى. لقد تحولت هذه الخاصية -التي صُممت في الأصل لحماية الخصوصية في الاستشارات الإنسانية الحساسة- إلى خنجر مسموم يطعن به الجبان خصومه في الظهر. هنا، يختار الشخص بوعي وعن عمد إخفاء هويته ليقذف الآخرين بالباطل دون أن يترك أثراً يدل عليه. أما الشكل الثاني، فيتمثل في إنشاء "صفحات عامة وهمية" بأسماء مستعارة، تُدار كغرف عمليات خفية ومأجورة، وهدفها الوحيد هو الابتزاز، وتصفية الحسابات، وإطلاق حملات التشويه المنظمة.

وإذا قمنا بتفكيك هذه الظاهرة من منظور سوسيولوجي ونفسي، سنجد أن "سيكولوجية التخفي" تمنح المعتدي شعوراً زائفاً بالقوة والحصانة. فالشخص الذي يفتقر إلى الشجاعة الأدبية لمواجهة الآخرين في الواقع، يجد في هذا العالم الافتراضي، وخلف هذا القناع المزدوج، ملاذاً آمناً لتفريغ عقده النفسية وإسقاط فشله الشخصي، فيتحول إلى "وحش إلكتروني" ينهش أعراض الناس وأرزاقهم متجرداً من أي وازع أخلاقي أو ديني.

وتتسع دائرة ضحايا هذه "الاستباحة الرقمية" لتشمل فئات متنوعة؛ فنجد حملات تشويه شرسة تستهدف "المطاعم" والمشاريع التجارية الصاعدة، تقودها غالباً منافسة غير شريفة تسعى لاغتيال نجاح الآخرين وتطفيش الزبائن عبر تقييمات وهمية وروايات مختلقة. كما تمتد المقصلة لتطال "الشخصيات العامة" بدافع الحقد أو الابتزاز المادي.

أما الكارثة الأكبر، والأشد إيلاماً، فتتجلى في استخدام هذا السلاح الجبان ضد "النساء والفتيات" في مجتمعاتنا. فكم من سمعة شُوهت، وكم من أسرة تصدعت، لمجرد تدوينة كاذبة أو صورة مفبركة نُشرت من "شخص مجهول" في مجموعة افتراضية، لتجد الفتاة نفسها في مهب الريح، تواجه مجتمعاً يميل للأسف إلى تصديق الشائعة، وإدانة الضحية، قبل أن يتبين خيط الحقيقة الأبيض من الأسود.

وما يزيد الطين بلة في هذه المعادلة، هو دور "الجمهور المتلقي" الذي ينساق أحياناً خلف "عقلية القطيع". فثقافة "النسخ واللصق" والتفاعل المتهور تجعل من المستخدم العادي شريكاً أصيلاً في الجريمة دون أن يدري. إن التفاعل مع منشور تشهير مجهول المصدر، هو رصاصة إضافية تُطلق في صدر الضحية، وتساهم في تضخيم الأزمة وتحويلها إلى "تريند" زائف يُبنى على أنقاض ودموع الآخرين.

إن مواجهة هذا العبث الرقمي لم تعد ترفاً، بل ضرورة تتطلب مسارات متوازية. أولاً: التفعيل الحازم والصارم لقوانين "الجرائم الإلكترونية" لتتبع هؤلاء الجبناء وإغلاق صفحاتهم المسمومة؛ فالتخفي التقني لم يعد عائقاً أمام مباحث الإنترنت، والضرب بيد من حديد هو الرادع الوحيد لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المجتمع. ثانياً: نحن في أمس الحاجة إلى "صحوة أخلاقية" تعيد تشكيل وعي المستخدمين، بحيث نتبنى ثقافة التجاهل، والإبلاغ (Report) الفوري عن المنشورات المجهولة والصفحات المشبوهة، بدلاً من التفاعل معها وتغذيتها.

ختاماً، يجب أن ندرك يقيناً أن الكلمة على الشاشة ليست مجرد حروف عابرة، بل هي سلاح قد يُحيي نفساً أو يقتلها. ومن يختبئ اليوم في عتمة العالم الافتراضي ليرمي الآخرين بالحجارة خلف ستار "المشارك المجهول" أو "الصفحة الوهمية"، سيكشفه نور العدالة حتماً، وسيدفع ثمن جبنه الأخلاقي عاجلاً أم آجلاً.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة