مؤكد أن المتتبع للنمط السائد في الحروب الآن، على كافة الجبهات، سواء حرب روسيا و أوكرانيا، أو حرب غزة ولبنان، أو الحروب المتصلة بين إيران وإسرائيل، ثم الولايات المتحدة الأمريكية سيدرك أن ميزان القوة العسكرية أصبح حاليا لا يُقاس فقط بحجم الترسانة الثقيلة، بل بالقدرة العسكرية القادرة على التكيف مع واقع جديد فرضته الطائرات بدون طيار، أو المسيرات، وذلك لأن التحولات التى فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، والتصعيدات المرتبطة بإيران، وضعت العالم أمام نموذج متطور للحرب، يعتمد على الكثافة والسرعة والتكلفة المنخفضة.
تمثل الدرونز قفزة نوعية غير مسبوقة، واعتبرها البعض بأنها أداة حاسمة، فلم تعد مجرد وسيلة استطلاع، بل هى مكون رئيسي يستطيع تنفيذ مهام هجومية دقيقة، وإرباك أنظمة دفاعية متقدمة، وهذا التطور النوعى لم يأتِ من فراغ، بل أن واقع ميدانى أثبت أن الأنظمة الرخيصة، عند استخدامها بكثافة، يمكن أن تعادل تأثير منظومات بمليارات الدولارات؛ وهي كفاءة سار فيها البعض، ومازال يحبو فيها آخرين.
في تصريحات كثيرة للرئيس الأوكراني زيلينسكي أشار إلى وحدات الدرونز، وأنها ساهمت في الحفاظ على “دولة قوية وتكنولوجية” في ظل الحرب، مما يشير في سياقه أن التكنولوجيا منخفضة التكلفة أصبحت جزءًا من الأمن القومى، بل أنه قام بجولة خلال الحرب الإيرانية استعرض فيه قدرات دولته حول هذا المسار تحديدا.
قدمت الحرب في أوكرانيا نموذجًا عمليًا وحقيقيا لما يمكن أن تفعله الدرونز، فقد تم استخدامها المكثف فى الاستطلاع والهجوم، ما غيّر من شكل الجبهة، حيث أصبحت الحركة على الأرض مكشوفة وخطرة، كما أشارت التقارير العسكرية إلى أن ساحة القتال تحولت إلى ما يشبه “معركة جوية مستمرة”، حتى على ارتفاعات منخفضة.
ونستطيع بكل سهولة إدراك حجم الدرونز في المعارك الروسية الأوكرانية، فقد كثرت تصريحات الرئيس الأوكراني و عداوته مع إيران، وذلك لدعم الأخيرة لروسيا فى مسألة المسيرات، بينما استطاعت كييف توسيع وحدات الأنظمة غير المأهولة بما حقق لهم نتائج ملموسة، وساعدت المسيرات فى ارتفاع عدد الأهداف التى يتم تدميرها، مما يفهم منه أن الكفاءة القتالية لم تعد مرتبطة فقط بالقوة النارية التقليدية، بل تدخلت أدوات جديدة يمكن فهمها في سياقها.
اللافت أن هذا التحول لم يقتصر على أوكرانيا، فقد تدخلت روسيا بدورها في نفس المسار، مع توجه واضح لتأسيس وحدات مستقلة للأنظمة غير المأهولة، في محاولة لمواكبة التغير في طبيعة الحرب؛ وهي مدرسة روسية لها معاييرها المطبقة ميدانيا، فهي تعتمد على امتلاك كافة الأسلحة، من السلاح الأغلى إلى المسيرات الأرخص، بالإضافة للقدرة على الإنتاج والتوظيف السريع.
في السياق نفسه، تعتمد إيران على المسيرات لكن بشكل رئيسي، فمع البرنامج الصاروخي، كان لإيران برنامجها فى المسيرات، جعلها من الدول المتقدمة في هذا الشأن، وسعت لتفعيل مفهوم مختلف يقوم على “الإغراق العددي”، عبر إطلاق أعداد كبيرة من الدرونز في وقت واحد، الهدف منها استنزاف الدفاعات، وتحقيق إصابات عددية، مع ربطها بالبرنامج الصاروخي، وهذه الاستراتيجية أثبتت فعاليتها في خلق ضغط مستمر على الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية خاصة فى حرب الـ ١٢ يوما فى يونيو 2025 ، حتى مع ارتفاع معدلات الاعتراض.
وبذلك يكون السؤال المنطقي، هل انتهى سباق التسلح؟، والإجابة العملية تشير إلى العكس، بأن السباق لم يتوقف، بل تطورت أدواته، فالدول الكبرى لا تزال تنفق، لكنها تعيد توزيع استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، وتقنيات الحرب الإلكترونية، و منها الدرونز.
في تصريحات تعج بها محركات البحث؛ نرصد منها تصريحات حلف الناتو، الذى تتزايد المخاوف داخله من فجوة الاستعداد لمواجهة هذا النوع من التهديدات، بل أن الأخبار تذكر صراحة أن هناك نقص فى القدرات على اكتشاف وتتبع وتدمير الدرونز، وهذا ما جعل مسئولين أوكران يتفاعلون مع الأمر، ضمن سياسة التخويف التى يفعلها زيلينسكي و جماعته؛ لتخويف الأوربيين، بأن معظم دول أوروبا لا تملك أى سياسة دفاعية واضحة ضد مخاطر الدرونز.
وكما أن الدرونز وسيلة خطيرة فى الحروب، فان الجهة المقابلة وهي الرادرات و منظومات الدفاع الجوى، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية، هى أيضا من المسارات التي تستدعى تطويرا شاملا لمواكبة أدوات الهجوم الحديثة، فقد تحولت بعض الرادارات إلى نقطة ضعف نسبية، حيث أن الأنظمة التقليدية صُممت لرصد الطائرات والصواريخ، وليس أهدافًا صغيرة وبطيئة مثل الدرونز، خاصة الصغيرة منها، التي تستفيد من هذه الفجوة، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة، وتكلفتها صعبة، وهناك أمورا فنية أخرى يفهمها أهل الاختصاص، وهو ما دفع كثير من الجيوش فى تطوير أنظمة متعددة الطبقات، تجمع بين الرادار والمستشعرات البصرية والحرارية، إلى جانب الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، بهدف بناء شبكة دفاعية قادرة على التعامل مع التهديدات المتعددة فى وقت واحد، غير أننا ذكرنا مثلا فكرة الإغراق العددي سابقا، وهى التحدى الكبير حينما يتم إطلاق عشرات أو مئات الدرونز في وقت واحد، حينها تتحول المعركة إلى اختبار لقدرة النظام الدفاعي على إدارة كثافة عالية من الأهداف، و لا يكفي التفوق التكنولوجي وحده، بل هناك عامل الزمن واتخاذ القرار السريع هو الحاسم، وتنسيق العلميات بين الجهات المشاركة، و قد ناقشت عدة منتديات عسكرية هذا الطرح، ما جعل بعض الخبراء يطرحون مفهوم “درون ضد درون”، وهذا الاتجاه يعتمد على استخدام طائرات بدون طيار لاعتراض أخرى، بتكلفة منخفضة، مما يحقق قدرة عسكرية و اقتصادية في آن واحد، بهدف إعادة التوازن فى معادلة الإنفاق.
أيضا تشير خطط البنتاجون إلى استثمارات ضخمة فى الحرب المعتمدة على الذكاء الاصطناعى والأنظمة غير المأهولة، ما يعكس تحولًا استراتيجيًا طويل المدى، فقد صرحت القيادة المركزية الأميركية كثيرا استخدامها طائرات مسيرة فى الحرب الإيرانية، مما يؤكد أن الدرونز هى عنوان لمرحلة كاملة تعيد تشكيل مفاهيم القوة العسكرية.