من منا لم يلسعه غدر هؤلاء الذين اتخذوا من "الجنيه" رباً ومن "المنصب" قبلة؟ إنهم يمشون بيننا بوجوه باسمة وأحضان دافئة، لكنها دفء الأفاعي قبل اللدغ، يرتدون ثياب الصداقة في الرخاء، فإذا ما لاحت في الأفق "مصلحة" أو لمع في الطريق "بريق معدن"، تحولوا إلى ذئاب كاسرة تنهش في لحم ذكريات "العيش والملح" دون رمشة عين.
هؤلاء هم "المؤلفة جيوبهم"، الذين لا تحركهم العاطفة بل تحركهم الأرقام، ولا يقودهم الوفاء بل تقودهم "العمولة".
في ميزانهم، كل شيء له "ثمن" ولا شيء له "قيمة"؛ يدهسون في طريقهم نحو القمة الزائفة كل الأعراف، ويقايضون الأخلاق بحفنة من الأوراق الملونة.
تجدهم في الأفراح "معازيم" بمقابل، وفي الأزمات "غائبين" بلا عذر، لا يمدون يد العون إلا إذا شموا رائحة "الفائدة"، ولا يقفون بجوارك إلا إذا كان الوقوف سيسجل لهم "رصيداً" في بنك المصالح.
إنهم يبيعون أصدقاء العمر في أقرب محطة انتظار، ويغدرون بالرفيق من أجل منصب زائل لا يبقى منه إلا سوء السمعة ومرارة الندم في قلوب من وثقوا بهم.
احذروا هؤلاء الذين يسكنون منازل فارهة ولكن القلق يسكن عيونهم، لأنهم يدركون في قرارة أنفسهم أنهم "أرخص" من الأموال التي يجمعونها.
هم يجمعون المال لملء جيوبهم، لكنهم يفشلون في ترميم ثقوب ضمائرهم، ويظنون أنهم يدهسون القيم للوصول، ولا يعرفون أنهم يدهسون إنسانيتهم أولاً.
من جعل "الجيب" بوصلته، ضل طريق "القلب" للأبد، ومن كان عبداً للمال، سيظل فقيراً ولو ملك خزائن الأرض، فالعمر رحلة قصيرة، والمناصب كراسي موسيقية، والمال "مال الله" يروح ويغدو، ولا يبقى في النهاية إلا السيرة العطرة وكلمة حق تقال في رجل لم تبعه "المادة" ولم يشتره "الجاه".