محمد الطماوى

على حافة إعادة تشكيل كبرى.. كيف تقرأ القاهرة حرائق الإقليم فى ذكرى تحرير سيناء؟!

السبت، 25 أبريل 2026 09:04 م


حين نتحدث عن سيناء، لا يكون الحديث عن قطعة أرض فقط، بل عن معنى الوطن حين يختبر، وعن الدولة حين تواجه لحظات المصير، وعن شعب عرف كيف يحول الانكسار إلى عبور، ثم يحول النصر إلى بقاء، لذلك تبدو الكتابة عن ذكرى تحرير سيناء وكأنها اقتراب من «الوادى المقدس طوى»، حيث تختلط قداسة الأرض بثقل التاريخ، وتمتزج دماء الشهداء بأسئلة الحاضر وقلق المستقبل.


وفى لحظة إقليمية تتداخل فيها الحروب مع مشاريع إعادة تشكيل الخرائط، وتتصاعد فيها محاولات تفكيك الدول الوطنية، جاءت كلمة عبد الفتاح السيسي بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء لتتجاوز حدود الاحتفال التاريخى إلى ما يشبه «وثيقة سياسية واستراتيجية» تشرح رؤية الدولة المصرية لطبيعة المرحلة، وحدود التهديدات، ومعنى الصمود، وكيف تتحرك القاهرة وسط عاصفة إقليمية غير مسبوقة، نحو رسم ملامح رؤية مصر لما يجرى حولها؛ كيف تقرأ القاهرة حرائق الإقليم؟ وكيف ترى ما يحدث فى غزة والسودان والبحر الأحمر والحرب الإيرانية؟ ولماذا تصر الدولة المصرية على الربط بين الأمن والتنمية والاستقرار فى توقيت يبدو فيه الشرق الأوسط وكأنه يقف على حافة إعادة تشكيل كبرى؟.

الكلمة لم تكن مجرد استدعاء لذكرى وطنية مرتبطة باستعادة الأرض فقط، بل بدت كأنها إعادة تعريف لمعنى «تحرير سيناء» فى السياق الراهن، فالرئيس السيسي لم يتحدث عن الماضى باعتباره تاريخا منتهيا، وإنما باعتباره قاعدة لفهم الحاضر؛ إذ ربط بين معركة التحرير بالسلاح، ومعركة حماية الدولة بالتنمية، ومعركة البقاء وسط مشروع إقليمى مضطرب يسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة.

هنا تتكشف الرسالة الأعمق فى الخطاب؛ فمصر ترى أن المنطقة لا تواجه فقط صراعات تقليدية، بل تواجه محاولات لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية عبر التفكيك، وإسقاط الدول الوطنية، وإشعال الحروب الأهلية، وتحويل الأزمات إلى واقع دائم، ولذلك جاء التأكيد الحاسم على رفض تقسيم الدول، ورفض المساس بسيادتها، ورفض الاستيلاء على مقدرات الشعوب، باعتباره إعلانا مصريا واضحا بأن القاهرة ترى نفسها فى مواجهة مشروع فوضوى شامل، لا مجرد أزمات منفصلة.
اللافت أن الرئيس تعمد الربط بين الأمن القومى والتنمية الاقتصادية بصورة مباشرة، وكأنه يبعث برسالة تقول إن الدولة التى لا تبنى اقتصادًا قويا تصبح أكثر عرضة للاختراق السياسى والأمنى، ولهذا لم يكن الحديث عن التحديات الاقتصادية عرضيا، بل جاء دقيقا وصريحا؛ من خسائر قناة السويس التى قدرت بنحو عشرة مليارات دولار بسبب اضطرابات البحر الأحمر والهجمات فى مضيق باب المندب، إلى تداعيات الحروب العالمية والإقليمية، مرورًا بأعباء استضافة ملايين الوافدين من الدول الشقيقة.

وهنا تتجلى نقطة شديدة الأهمية؛ فالرئيس لم يحاول إنكار الضغوط الاقتصادية التى يشعر بها المواطن، بل اعترف بها بوضوح، لكنه فى المقابل قدم تفسيرا سياسيا واستراتيجيا لهذه الضغوط، قائما على أن الدولة تخوض معركة بقاء واستقرار فى بيئة إقليمية تنهار فيها دول وتتفكك جيوش وتتصاعد فيها النزاعات، أى أن الخطاب سعى إلى بناء معادلة مفادها: "الاستقرار ليس أمرا مجانيا، وإنما له تكلفة تتحملها الدولة والمجتمع معا."

كما حملت الكلمة رسائل ردع واضحة، خصوصا فى الجزء المتعلق بالقوات المسلحة المصرية، فحين قال الرئيس إن الجيش المصري «يحرر الأرض بالأمس ويصونها اليوم ويظل قادرا على ردع كل من تسول له نفسه الاقتراب من مصر أو المساس بأمنها القومى، فإنه لم يكن يتحدث بلغة احتفالية، وإنما بلغة استراتيجية تستهدف تثبيت معادلة الردع فى توقيت بالغ الحساسية تشهده المنطقة، خاصة مع تصاعد الحرب الإيرانية، واستمرار الحرب فى غزة، واتساع دوائر التوتر من لبنان إلى اليمن والبحر الأحمر.

وفى هذا السياق، جاءت القضية الفلسطينية فى قلب الخطاب، لا على هامشه، إذ بدا واضحا أن مصر تعتبر ما يحدث فى غزة جزءا من معركة أكبر تتعلق بمستقبل المنطقة كلها، لذلك شدد الرئيس على ضرورة تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار القطاع، مع التأكيد الحاسم على رفض تهجير الفلسطينيين تحت أى ظرف كان.

هذا الجزء تحديدا يحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ لأن مصر تدرك أن أى محاولة لفرض التهجير تعنى عمليًا تصفية القضية الفلسطينية، وتحويل سيناء إلى ساحة ضغط جيوسياسى وأمنى دائم، ومن هنا يصبح الدفاع عن الحقوق الفلسطينية جزءا من الدفاع عن الأمن القومى المصرى ذاته، وليس مجرد موقف تضامنى أو إنسانى.

الأكثر أهمية أن الخطاب حافظ على معادلة دقيقة تجمع بين «السلام» و«القوة»، فالرئيس أعاد التأكيد أن خيار مصر هو السلام، لكنه سلام «ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو خوف»، وهذه العبارة تكشف طبيعة العقيدة السياسية المصرية فى المرحلة الحالية؛ فالقاهرة لا تريد الانجرار إلى صراعات مباشرة، لكنها فى الوقت نفسه تريد تثبيت صورة الدولة القادرة على حماية مصالحها وردع التهديدات.

كذلك حملت الكلمة بعدا معنويا ونفسيا واضحا، حين ركز الرئيس على فكرة «تماسك الشعب ووعيه». ففى أوقات الأزمات الممتدة، تصبح الجبهة الداخلية عنصر الحسم الحقيقى، ليس فقط اقتصاديا أو أمنيا، بل نفسيا أيضا، ومن هنا يمكن فهم تكرار الإشارات إلى الصمود والتحمل والثقة فى قدرة الدولة على تجاوز التحديات.

فى جوهرها، بدت كلمة الرئيس فى ذكرى تحرير سيناء محاولة لإعادة صياغة الوعى الوطنى فى لحظة شديدة التعقيد، فهى تقول للمصريين إن معركة الحفاظ على الدولة لم تنته، وإن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى، وإن مصر ترى أن بقاءها قوية ومتماسكة ليس رفاهية سياسية، بل ضرورة وجودية.

ولهذا لم تكن سيناء فى الخطاب  مجرد أرض تحررت قبل 44 عامًا، بل تحولت إلى رمز لفكرة أوسع: أن الدولة المصرية، مهما تعرضت للضغوط أو الحصار أو التحديات، تظل قادرة على استعادة التوازن، وحماية حدودها، وفرض إرادتها، والتمسك بثوابتها، مهما اشتدت العواصف من حولها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة