رضا فرحات

ذكرى تحرير سيناء: إنجاز وطني خالص ومسيرة تنموية ترسم ملامح المستقبل

السبت، 25 أبريل 2026 12:52 م


في الخامس والعشرين من أبريل كل عام، تتوقف عقارب الزمن لحظات لتستحضر ذاكرة الأمة المصرية، ذكرى تحرير شبه جزيرة سيناء، ذلك الانتصار التاريخي الخالد الذي لم يكن مجرد استعادة لأرض، بل كان استعادة للكرامة الوطنية، وتأكيدا على صلابة الإرادة المصرية التي لا تلين أمام أي تحد، إنها لحظة فارقة في مسيرة الدولة المصرية تؤكد أن الكرامة والسيادة على كل شبر من التراب الوطني لا تقايض، وأن الشعب المصري قادر على استعادة حقه بالقوة العسكرية المشفوعة بالدبلوماسية الحكيمة.

لقد مثل تحرير سيناء تتويجا لمسيرة نضال طويلة وبطولية، بدأت بشرارة حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، التي أعادت التوازن الاستراتيجي إلى المنطقة وكسرت أسطورة الجيش "الذي لا يقهر"، ثم استمرت عبر مسار دبلوماسي شاق ودقيق أفضى إلى اتفاقية السلام عام 1979، وصولا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل في 25 أبريل 1982، و كانت هذه اللحظة الفاصلة نقطة تحول تاريخية في تاريخ المنطقة بأسرها، حيث استعادت مصر سيادتها الكاملة على أرض الفيروز، وأثبتت للعالم أجمع أن الدبلوماسية الممزوجة بالحزم العسكري والقوة الناعمة قادرة على تحقيق العدالة واسترداد الحقوق دون تفريط في الثوابت الوطنية أو المساس بالأمن القومي.

غير أن التحديات لم تنته باستعادة الأرض؛ فبعد أحداث 25 يناير 2011، حاولت قوى الشر والإرهاب تحويل سيناء إلى بؤرة للفوضى والتطرف، لكن الدولة المصرية واجهت هذا الخطر بكل حزم وعزم، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة، أطلقت القوات المسلحة بالتعاون مع جهاز الشرطة عمليات نوعية واسعة النطاق، في مقدمتها "العملية الشاملة سيناء 2018"، التي نجحت في تطهير سيناء من البؤر الإرهابية و قدم أبطال الجيش والشرطة، جنبا إلى جنب مع أهالي سيناء الأوفياء، تضحيات جسيمة، وسقط شهداء جدد رووا بدمائهم الزكية تراب الوطن، مؤكدين أن معركة الدفاع عن الأرض لا تقل شرفا عن معركة استردادها، و تمكنت الدولة من توجيه ضربات قاصمة للبنية التحتية للإرهاب، عبر تدمير الأوكار والمخازن، وإغلاق أنفاق التهريب، وإحكام السيطرة الكاملة على الحدود، واليوم، أصبحت سيناء أكثر أمنا واستقرارا بعد أن طهرت من رجس الإرهاب، بفضل يقظة القيادة السياسية، وكفاءة المؤسسات العسكرية والأمنية، ووعي أبناء سيناء الذين اصطفوا خلف دولتهم في مواجهة كل التحديات.

ومع انتهاء معركة مكافحة الإرهاب، انطلقت المعركة الأكبر والأطول أمدا: معركة التنمية الشاملة والمستدامة، و أدركت القيادة السياسية أن حماية الأرض لا تكتمل إلا بتعميرها، وأن التنمية الحقيقية هي الدرع المنيع ضد أي محاولات للنيل من السيادة الوطنية، فتحولت سيناء إلى ورشة عمل عملاقة، حيث ضخت استثمارات هائلة تجاوزت مئات المليارات من الجنيهات (تجاوزت 700 مليار جنيه في سيناء ومدن القناة منذ 2014 حتى الآن) وشقت آلاف الكيلومترات من الطرق والمحاور الاستراتيجية، مثل محور 30 يونيو، وطرق العريش ورفح، وربطت سيناء بغرب القناة عبر خمسة أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس، مما أنهى عزلة الشبه الجزيرة إلى الأبد وفتح آفاقا جديدة للحركة والتجارة.

في مجال الزراعة، استصلح عشرات الآلاف من الأفدنة، وأُنشئت محطات معالجة مياه عملاقة مثل محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر (أكبر محطة في العالم بطاقة تصل إلى 7.6 مليون متر مكعب يوميا)، لتوفير المياه اللازمة للزراعة والحياة اليومية، مما يدعم استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة ويعزز الأمن الغذائي كما أقيمت مدن جديدة وتجمعات سكنية حديثة، وطورت مدن عريقة مثل العريش وشرم الشيخ والطور لتصبح وجهات سياحية وصناعية عالمية جاذبة، وفي العام المالي 2025/2026 وحده، تم تخصيص استثمارات تصل إلى حوالي 10 مليارات جنيه لمشروعات التنمية في شمال وجنوب سيناء، تشمل الطرق والكهرباء والإسكان والخدمات، بالإضافة إلى مشروعات قومية كبرى مثل "التجلي الأعظم" بتكلفة 22 مليار جنيه.

إن هذه التنمية الشاملة ليست مجرد مشروعات اقتصادية معزولة؛ بل هي رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى دمج سيناء بالكامل في النسيج الوطني، وتوطين السكان، وخلق ملايين فرص العمل للشباب، وتحويل الشبه الجزيرة إلى مركز جذب استثماري إقليمي وعالمي، تجتمع فيها الزراعة والصناعة والسياحة والطاقة المتجددة في بوتقة واحدة، مدعومة ببنية تحتية متطورة ومستدامة، بما يعكس إرادة سياسية قوية ورؤية تنموية شاملة تؤكد أن مصر لا تترك أرضها مهملة أبدا، وأن التعمير هو استكمال للتحرير.

إن ملحمة سيناء تعلم الأجيال الجديدة درسا خالدا وهو أن الشعب المصري، بجيشه الوطني وشعبه وقيادته الحكيمة، قادر على مواجهة كل التحديات وتحويلها إلى فرص للتقدم والازدهار، ومن بطولات أكتوبر المجيدة إلى براعة السلام، ثم بسالة مكافحة الإرهاب، وصولا إلى إصرار التنمية الشاملة، تظل سيناء شاهدا حيا على أن مصر تنتصر دائما، وأنها تبني مستقبلها بإرادة لا تكسر.

في هذه الذكرى الغالية، نجدد العهد للشهداء الأبرار وللوطن العزيز: سنحافظ على الأرض، ونبنيها، ونحميها بكل ما نملك من قوة وعزم وإخلاص.

تحيا مصر.. تحيا سيناء.. تحيا أرض الفيروز حرة آمنة مزدهرة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة