تمر منطقة الشرق الأوسط والعالم بمرحلة ضبابية، حيث باتت رهانات الصراع الأمريكي الإيراني محصورة بين التصعيد المنضبط واللاعودة، ورغم امتلاك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قوة جبارة استطاعت من خلالها أن تدمر الحجر "المنشآت الإيرانية"، إلا أنها لم تهزم إرادة المقاتل الإيراني الذي يمتلك تكتيكات وصواريخ وخططًا تنظيمية على أحدث مستوى، فقد استطاع الجانب الإيراني أن يعادل وسائل الردع الأمريكية عن طريق مضيق هرمز، وتسببت الحرب في إفشال سلاسل الإمداد العالمية وضربت مراكز الإنتاج في دول الخليج.
ورغم الاعتراض والرفض الكامل لاستهداف إيران لدول الخليج، لكن إيران استطاعت أن تحد من غطرسة القوة الأمريكية الإسرائيلية، ولم تعد الآلة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية حاسمة بقدر ما أصبحت تستخدم ضمن استراتيجية التفاوض تحت النار "استراتيجية الضغط القصوى"، وأصبح التصعيد الأمريكي ضمن وسائل الضغط التي تعدت حدود إيران لتستهدف الاقتصاد العالمي، فمع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي لاستئناف التفاوض أم الحرب، وتهديده بتدمير مصادر الطاقة والجسور في إيران، وبعد رفض الجانب الإيراني حضور الجولة الثانية من المفاوضات لوجود تضارب في رؤية مراكز القوى داخل إيران، وتتمثل في المرشد والحرس الثوري والرئاسة ومعها البرلمان.
نجد أن قرار الرئيس الأمريكي، اعتمادًا على قناة التواصل الباكستانية المصرية السعودية التركية، وتدخل القوى الكبرى حول العالم كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، جعل الصراع يتحول من الجغرافيا العسكرية بين أمريكا وإسرائيل وإيران، ليتحول إلى الجغرافيا الاقتصادية ويهدد الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وبعد مد الرئيس الأمريكي وقف إطلاق النار لحين وصول الرد الإيراني، ارتفعت أسعار النفط لتصل إلى عتبة 104 دولارات للبرميل، وفي حال اندلاع الحرب مجددًا فالرقم مرشح للوصول إلى 200 دولار وأعلى، مما قد يتسبب في ركود للاقتصاد العالمي وموجة تضخم غير مسبوقة.
يعاني الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الإسرائيلي والاقتصاد الإيراني والاقتصاد الخليجي والاقتصاد العالمي بدرجات متفاوتة، إن الولايات المتحدة رغم قوتها لكنها أصبحت محدودة القدرة على استخدام القوة العسكرية دون التفاوض، فالولايات المتحدة الأمريكية الآن ليست كما كانت عند غزو العراق، فهي تعيش أزمة أشبه بأزمة فرنسا وبريطانيا وإسرائيل عند قيامهم بالعدوان الثلاثي على مصر، ولم يكن في الحسبان ظهور الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي كقوى عظمى لولا مواقفهم من أزمة العدوان الثلاثي.
علمتنا الأيام أن القوى العظمى متغيرة، فبعد استقرار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي على قمة النظام العالمي، انقسم العالم إلى المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي ومجموعة دول عدم الانحياز، فكان الصراع بين المعسكرات كحرب باردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وبين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي هيمنت الولايات المتحدة الأمريكية على القرار الدولي، ويعتبر مؤشر القوة الأمريكي في أعلى المنحنى الذي يسبق الهبوط من القمة، وظهرت بوادر تفكك المعسكر الغربي عبر اتهامات الرئيس الأمريكي إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الناتو بعدم الفاعلية، ودخل الرئيس الأمريكي في صراع تجاري مع أغلب بلدان العالم، ودخل في صراع عسكري مع فنزويلا ومع إيران، والموضوع مختلف؛ فإيران دولة صاحبة حضارة وعقيدة، والكل ينتظر سيناريوهات المستقبل وردود فعل كل من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي الذي يتحدث عن ترتيبات أمنية بعيدة عن المظلة الأمريكية.
تعيش أغلب دول العالم مرحلة عدم اليقين حيال الصراع في منطقة الشرق الأوسط، ويمثل إسهاب الرئيس الأمريكي في التصريحات وإعطاء الأمر وضده في الأعراف الدبلوماسية والتفاوضية صورة جديدة من صور التفاوض التي تعلمناها أكاديميًا، فإن نجح الرئيس الأمريكي في خطته ستكتب طريقته في التفاوض باسمه، وهناك تضارب في السيناريوهات في حال الفشل، فكما أن الولايات المتحدة تمتلك أسلحة نووية كقوة ردع، استطاعت إيران أن تجعل من مضيق هرمز قنبلة نووية اقتصادية تمثل ضغطًا على جميع دول العالم.
بالتالي تضغط على مراكز صناعة القرار حول العالم، وأولهم الولايات المتحدة الأمريكية التي يعيش فيها المواطن الأمريكي في ضغوط اقتصادية وتشريعية، حيث قربت مدة 60 يومًا على الانتهاء، وسيصطدم الرئيس الأمريكي بالكونجرس الذي يريد أغلب أعضائه إنهاء الحرب، وكذلك يمثل التضخم وقرب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس تحديًا للرئيس الأمريكي وحزبه، وكذلك تمثل نهائيات كأس العالم ضغطًا على الرئيس الأمريكي.
إن العالم يعيش فترة رمادية تمتلك فيها الولايات المتحدة قوة عسكرية غير مسبوقة على مر التاريخ، ولكن تداخل الأزمة وشمولها وثبات وقدرة إيران على الصمود والردع جعل الكل في حال ترقب، الحسابات السياسية والقرارات الصادرة من طرفي النزاع قد تسفر عن سلام يقبله الجميع عبر المفاوضات، وقد يسفر خطأ أي طرف في الحسابات بالعالم إلى طريق اللاعودة، وقد يمتد الصراع لجميع دول العالم بالزر النووي.
قد تعلمت من خبراتي المكتسبة أن أكون متفائلًا، وعلمتني دروس التاريخ أن إرادة الله سبحانه وتعالى غالبة، وأن كل ما يجري في الكون وفق مشيئة جلالته، فعلينا جميعًا أن نأخذ بالأسباب؛ العلم والعمل، وأن نفعل التقوى والقرب من الله سبحانه وتعالى، وأمر الله غالب لا محالة، تفاءلوا بالخير؛ عشتم في حفظ الله تعالى ومعيته، وعاشت دولنا العربية في أمن وأمان واستقرار بالوحدة والعمل والعلم والتقوى، وثبت الله تعالى قيادتنا السياسية على الحق في زمن الفتن.