تحاول بعض الكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان، وعلى رأسها ما يُعرف بـ"حركة ميدان الإخوانية"، تقديم نفسها من خلال وثيقة "المؤتمر الوطني الأول" باعتبارها حاملة لمشروع إصلاحي يستهدف إعادة هيكلة القطاع الإعلامي وبناء منظومة تقوم على الاستقلالية والمهنية، تبرز على السطح تناقضات حادة بين هذا الطرح النظري وما شهدته التجربة العملية خلال فترة حكم الجماعة، خاصة في ملف الإعلام.
الوثيقة الصادرة عن الحركة تتحدث عن إصلاح شامل للمنظومة الإعلامية، يشمل تعزيز حرية التعبير، وضمان استقلال المؤسسات الإعلامية، ووضع أطر قانونية حديثة تمنع التوجيه السياسي أو الهيمنة على المحتوى الإعلامي، كما تروج لفكرة إعلام مهني قائم على الشفافية والتعددية، غير أن هذه الشعارات تصطدم بوقائع موثقة تعود إلى فترة حكم الجماعة، والتي شهدت حالة من التوتر والاحتقان داخل المؤسسات الإعلامية الرسمية.

حركة ميدان
من أبرز هذه الوقائع ما ارتبط بتصريحات وزير الإعلام الأسبق صلاح عبد المقصود، والتي أثارت جدلا واسعا آنذاك، بعدما وجه تعليقا إلى إحدى الصحفيات قال فيه: "تعالي وأنا أقولك فين حرية الصحفيين"، وهو التصريح الذي اعتبره كثيرون تجاوزا غير مقبول، وحمل دلالات سلبية تتنافى مع أبسط قواعد المهنية واحترام الصحافة.
لم تكن هذه الواقعة معزولة، بل جاءت في سياق حالة أوسع من الغضب داخل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، حيث نظم العشرات من العاملين في مبنى ماسبيرو في أبريل 2013 مظاهرة أمام بوابة 5، لمنع الوزير من دخول المبنى، مطالبين بإقالته. ورفع المحتجون لافتات تحمل عبارات مثل "الحرية فين إحنا جينالك أهو" و"إقالة وزير إعلام مكتب الإرشاد"، في إشارة إلى رفضهم لما وصفوه بمحاولات السيطرة على الإعلام الرسمي.
كما أصدر العاملون حينها بيانا طالبوا فيه بعزل الوزير، مؤكدين أن الزلات المتكررة لا تنبئ إلا عن ذات لا تعي طبيعة المنصب، محذرين من أن استمرار هذه السياسات يعني تزييف الحقائق وخيانة شعب مصر، في تعبير واضح عن حجم الأزمة داخل المؤسسة الإعلامية آنذاك.
وفي سياق متصل، قدم إبراهيم الصياد، رئيس قطاع الأخبار بالتليفزيون المصري خلال عام 2013، شهادة مهمة حول طبيعة إدارة الملف الإعلامي في تلك الفترة، حيث أكد أن وزير الإعلام الإخواني لم يكن الوحيد الذي يدير المشهد داخل ماسبيرو، بل كانت هناك شخصيات أخرى تلعب أدوارا مؤثرة، من بينها ياسر علي، وأحمد عبد العزيز، الذي وصفه بأنه كان يقود مكتبا لرصد ما يبث داخل المبنى.

صلاح عبد المقصود
وأوضح الصياد حينها أن هذا المكتب كان يتدخل في تفاصيل العمل الإعلامي، ولم يترك برنامجا إلا وأبدى ملاحظاته عليه، مشيرا إلى أن هذه التدخلات وصلت إلى حد إلغاء برامج، من بينها برنامج الإعلامي محمد علي خير، بسبب مواقفه الناقدة للجماعة والحكومة آنذاك. كما أشار إلى أن هذه الضغوط تسببت في أزمات داخل المؤسسات، من بينها تعرض رئيس إذاعة "راديو مصر" لأزمة صحية نتيجة هذه التدخلات، مضيفا أن هذه المرحلة شهدت تهديدات مباشرة لبعض القيادات الإعلامية، في ظل ما وصفه بمحاولات فرض السيطرة على المحتوى الإعلامي، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة بين الجماعة والإعلام خلال فترة حكمها.
وتكشف هذه الوقائع مجتمعة عن فجوة واضحة بين الخطاب الذي تطرحه "حركة ميدان الإخوانية" اليوم حول إصلاح الإعلام، وبين الممارسات التي جرت على أرض الواقع خلال فترة وجود الجماعة في السلطة، حيث لم تكن الأولوية آنذاك لاستقلال الإعلام، بقدر ما كانت هناك محاولات للتأثير على محتواه وتوجيهه.
أي حديث عن إصلاح الإعلام لا يمكن فصله عن التجارب السابقة، خاصة عندما تكون هذه التجارب قد شهدت انتقادات واسعة تتعلق بالتدخل في العمل الإعلامي، وتقييد حرية التعبير، وهو كذب الطروحات الحالية لهذه الحركة الإخوانية.