تحاول جماعة الإخوان عبر كياناتها في الخارج إعادة تقديم خطاب سياسي عبر وثيقة ما يُعرف بـ"حركة ميدان الإخوانية" كإطار نظري يطرح جملة من الرؤى حول إصلاح القطاع الإعلامي، متحدثة عن بناء منظومة إعلامية مستقلة وشفافة، تقوم على المهنية والتعددية، وتخضع لأطر قانونية حديثة تضمن حرية التعبير وتحمي المجتمع من الانفلات والفوضى، إلا أن هذه الطروحات، رغم ما تبدو عليه من اتساق نظري، تثير تساؤلات جوهرية عند مقارنتها بالممارسات الفعلية للإعلام المحسوب على الجماعة، والذي يُبث من خارج البلاد.
الوثيقة تضع ضمن أولوياتها إصلاح البيئة التشريعية المنظمة للعمل الإعلامي، عبر تحديث القوانين بما يواكب التطورات الرقمية، ويضمن استقلال المؤسسات الإعلامية عن السلطة التنفيذية، مع تعزيز آليات المساءلة والشفافية، كما تدعو إلى إنشاء هيئات تنظيمية مستقلة، ووضع ضوابط مهنية تضمن التوازن في التغطية الإعلامية، وتحول دون الاحتكار أو التوجيه الأحادي للمحتوى، وفي جانب آخر، تشير إلى ضرورة تمكين الكوادر الإعلامية، والاستثمار في التدريب والتأهيل، بما يرفع من كفاءة الأداء ويعزز ثقة الجمهور في الوسائل الإعلامية.

ميدان
الإشكالية الأساسية في الطرح الوارد بوثيقة ميدان الإخوانية تكمن في التناقض بين الدعوة إلى إعلام مهني مستقل، وبين واقع المنصات الإعلامية المحسوبة على الجماعة، والتي تبث من الخارج، فقد واجهت تلك المنصات انتقادات متكررة تتعلق بنشر معلومات غير دقيقة، وترويج شائعات، واستخدام خطاب تحريضي، وهو ما يتنافى مع أبسط معايير العمل الإعلامي المهني، كما أن غياب آليات واضحة للمساءلة داخل هذه المنظومة يثير شكوكا حول مدى الالتزام الفعلي بالمبادئ التي تروج لها الوثيقة.
لعل أبرز تلك الأكاذيب هو ترويج عبر قنوات الإخوان بالخارج لخبر "انهيار اقتصادي وشيك" في مصر مصحوبا بمشاهد لطوابير ضخمة أمام بنوك أو محطات وقود، على أنها حديثة. لكن بالتحقق، تبين أن بعض هذه الصور التقط خلال أزمات قديمة أو في دول أخرى، ولا تعكس الوضع الراهن وقت بثها، ما أظهر وجود تضخيم متعمد للأحداث الاقتصادية.
كذلك تداول مقاطع فيديو على أنها توثق مظاهرات حاشدة داخل مصر في أعوام مختلفة، خاصة خلال دعوات التظاهر التي روجت لها تلك القنوات، غير أن عمليات تدقيق مستقلة كشفت أن بعض هذه المقاطع يعود لسنوات سابقة مثل عام 2011 أو 2013، أو حتى لدول أخرى، وتم إعادة نشرها على أنها أحداث جارية. هذا النمط من "إعادة تدوير الفيديو" شكل أحد أبرز أدوات التضليل التي تم رصدها.

يحيى موسى
كما تداولت قنوات الإخوان مظاهرات في نزلة السمان عام 2020، قبل أن يتبين أنها كانت تمثيلية وليست حقيقية، إلا أن تلك القنوات لم تخرج لتعتذر، ففي المجمل، فإن استعراض هذه النماذج يبرز أهمية التحقق من المعلومات قبل تداولها، ويؤكد أن المصداقية تظل العامل الحاسم في بناء ثقة الجمهور، مهما تعددت المنابر أو اختلفت التوجهات.
بدو وثيقة "حركة ميدان الإخوانية" محاولة لتبني خطاب إصلاحي يتماشى مع المعايير الدولية، إلا أنها تكشف حجم التناقص الصريح بين ما يطرح نظريا، وما يمارس فعليا عبر المنصات الإعلامية المرتبطة بها، وهو ما يجعل من مسألة المصداقية والاتساق بين القول والفعل غير موجودة داخل هذه الوثيقة التي سعت الجماعة للترويج لها.