لم تعد سيناء مجرد بقعة جغرافية غالية في وجدان المصريين، بل تحولت اليوم إلى ورشة عمل كبرى لا تهدأ، وميدان لسباق مع الزمن تقوده الدولة المصرية لإعادة صياغة مستقبل "أرض الفيروز"، فمن قلب الرمال التي طهرتها دماء الأبطال، تبزغ فجر نهضة تنموية شاملة تقودها وزارتا الموارد المائية والري، والزراعة واستصلاح الأراضي، عبر مشروعات قومية عملاقة تهدف إلى توطين التنمية واستعادة الأمن الغذائي، وتحويل الصحراء إلى جنات خضراء ومجتمعات عمرانية مستدامة.
عودة الروح لبنك الجينات النباتية
في مشهد يجسد انتصار الإرادة على الإرهاب، شهدت مدينة الشيخ زويد مؤخراً حدثاً استراتيجياً وضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من البحث العلمي الزراعي، فبعد 14 عاماً من التوقف القسري نتيجة أحداث عام 2011، أعلن علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، البدء في إعادة إحياء بنك الجينات النباتية للصحارى المصرية بمحطة بحوث الصحراء.
هذا المشروع ليس مجرد مبنى إداري، بل هو "خزنة أسرار" الطبيعة المصرية، حيث يقع على مساحة 18 فداناً ويهدف إلى جمع وتوصيف الأصول الوراثية للنباتات البرية والصحراوية.
وتكمن أهمية البنك في كونه خط الدفاع الأول لمواجهة التغيرات المناخية، حيث يضم معشبة نادرة ومعامل للتوثيق الوراثي تساعد الباحثين على استنباط أصناف زراعية تتحمل الجفاف والملوحة، مما يخدم خطط التوسع الأفقي في عمق سيناء.
بحر البقر
وعلى الجانب الآخر من ملحمة التنمية، تبرز مجهودات وزارة الموارد المائية والري كشريان حياة يغذي هذه الطفرة الزراعية وهو المشروع الأضخم حالياً هو منظومة نقل مياه محطة معالجة بحر البقر – الأكبر عالمياً – إلى قلب سيناء.
وفقاً لآخر تقارير نسب التنفيذ، فقد بلغت نسبة الإنجاز في مسارات نقل المياه نحو 88% حيث يتضمن هذا المشروع القومي إنشاء مسارين رئيسيين بطول إجمالي يصل إلى 105 كيلومترات، و تجهيز 18 محطة رفع عملاقة تعمل على دفع المياه عبر التضاريس الصعبة لتصل إلى مناطق الاستصلاح، و تعد ثاني أكبر محطة على مستوى العالم لمعالجة مياه الصرف الزراعي بطاقة تصل إلى ٥.٦٠ مليون متر مكعب يوميًا، لرى زمام 270 ألف فدان في شمال ووسط سيناء، مما يحولها إلى سلة غذاء كبرى.
كما يجري العمل على تنفيذ عدد 24 مأخذًا على ترعة الشيخ جابر لري مساحة 125 ألف فدان بمنطقتي رابعة وبئر العبد، وتم نهو الأعمال لـ21 مأخذًا، وجارٍ العمل في 3 مآخذ أخرى، ومن المتوقع نهوها قريبًا، وجارٍ متابعة أعمال التشغيل التجريبي لتلك المآخذ. كما تم نهو أعمال التغذية الكهربائية لجميع محطات المآخذ، ونهو أعمال التغذية الكهربائية لزمامات 21 مأخذًا، وجارٍ استكمال أعمال التغذية الكهربائية لزمامات 3 مآخذ أخرى.
وتتسارع الخطى لإنهاء الإنشاءات المتبقية من الأعمال الميكانيكية والإنشائية، لتصبح المياه المعالجة الثلاثية جاهزة لتدفق مستدام يضمن استقرار المجتمعات الزراعية الجديدة.
كما أنشأت الدولة 16 تجمعًا تنمويًا بشمال وجنوب سيناء، والتي تشتمل على آبار جوفية وأراضٍ زراعية ومنازل سكنية ومنشآت إدارية وخدمية لخدمة الأهالي في سيناء.
عصر الزراعة الذكية
ولأن التنمية الحديثة لا تنفصل عن التكنولوجيا، دشنت وزارة الزراعة منظومة رقمية متكاملة لخدمة مزارعي التجمعات التنموية، تحت مبادرة "اسأل واستشير".
هذا التحول الرقمي تجسد في إطلاق "بوت ذكي" عبر تطبيق تليجرام يعمل كمنصة إرشادية على مدار 24 ساعة.
و يوفر هذا البوت للمزارع السيناوي مكتبة إلكترونية تضم فيديوهات تعليمية ونشرات إرشادية حول أفضل ممارسات الري والتسميد، و تنبيهات مناخية فورية للتعامل مع موجات الحر أو الصقيع، و لم تكتف المنظومة بالجانب الرقمي، بل نفذت أكثر من 220 زيارة ميدانية لتشخيص أمراض النباتات وتقديم الحلول الفنية مجاناً.
الحماية من أخطار السيول
ولم تقتصر جهود وزارة الري على توفير المياه فقط، بل امتدت لتأمين المنشآت والأرواح من تقلبات الطبيعة. حيث نفذت الوزارة منظومة متكاملة للحماية من أخطار السيول في محافظتي شمال وجنوب سيناء، بلغت 561 منشأً متنوعًا، عبارة عن سدود وحواجز وقنوات صناعية وبحيرات وخزانات أرضية وأحواض وجسور ومعابر ومفيضات، والتي لها أهمية كبيرة في حماية المواطنين والمنشآت من أخطار السيول، بالإضافة إلى حصاد مياه الأمطار وتجميعها في البحيرات الصناعية أمام سدود الحماية لاستخدامها بمعرفة التجمعات البدوية في المناطق المحيطة، وتوفير الاستقرار للتجمعات البدوية نتيجة تغذية الآبار الجوفية.
هذه المشروعات تضرب عصفورين بحجر واحد حماية المدن والقرى والطرق الاستراتيجية من مخاطر الانجراف والفيضانات، و تخزين مياه الأمطار والسيول للاستفادة منها في الشرب ورعي الأغنام وزراعات تكميلية، مما يعزز الاستقرار السكاني في الوديان.
جدير بالذكر أن ما تشهده سيناء اليوم هو تكامل نموذجي بين وزارات الدولة؛ فالري يوفر المياه ويؤمن الأرض، والزراعة تقدم البحث العلمي والدعم الفني والميكنة، فنسب التنفيذ المرتفعة في مشروعات نقل مياه بحر البقر، وتزامنها مع إعادة إحياء بنك الجينات وتدشين المنصات الرقمية، تؤكد أن الدولة المصرية لا تكتفي فقط بالبناء، بل تبني وفق أسس علمية وتكنولوجية تضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.
يذكر أن سيناء تحولت من أرض المعارك إلى أرض الفرص، حيث تترجم المشروعات الجارية أحلام المصريين إلى واقع ملموس، يربط سيناء بالوادي والدلتا ليس فقط جغرافياً عبر الأنفاق والكباري، بل اقتصادياً واجتماعياً عبر "الجمهورية الجديدة" التي تضع تنمية الإنسان والمكان في مقدمة أولوياتها.