تحاول بعض الكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان، ومن بينها ما يعرف بـ"حركة ميدان الإخوانية"، إعادة تقديم نفسها عبر أوراق "المؤتمر الوطني الأول" بخطاب اقتصادي يحمل شعارات الإصلاح والاستقلال المالي، تبرز مفارقة واضحة بين ما تطرحه هذه الوثائق من رؤى نظرية، وما شهدته التجربة العملية خلال فترة حكم الجماعة، خاصة فيما يتعلق بملف عجز الموازنة واللجوء إلى الاقتراض الخارجي.
الورقة الاقتصادية الصادرة عن المؤتمر أولت اهتمامًا ملحوظا بمسألة "الإصلاح الاقتصادي"، حيث شددت على ضرورة تقليل الاعتماد على الديون، بل وتبنت خطابا يميل إلى رفض الاقتراض الخارجي، مع التركيز على تعظيم الموارد الذاتية، وتحقيق قدر من الاكتفاء المالي من خلال تحسين إدارة الأصول، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما تضمنت الدعوة إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام، والحد من الهدر، وتعزيز كفاءة المؤسسات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية وتوجيه الدعم لمستحقيه.
وعلى مستوى الطرح النظري، تبدو هذه الأهداف متسقة مع متطلبات أي برنامج إصلاحي يسعى إلى تحقيق الاستدامة المالية وتقليل الضغوط على الموازنة العامة، إلا أن هذا الخطاب يكشف كذبه عند مقارنته بما حدث خلال فترة حكم محمد مرسي، والتي شهدت مؤشرات مالية واقتصادية تعكس صعوبات حادة، دفعت الحكومة آنذاك إلى تبني سياسات تتناقض مع ما يُطرح حاليا من رفض لفكرة الاقتراض.

خلال العام المالي 2012/2013، - أي فترة حكم مرسي - ارتفع عجز الموازنة العامة في مصر إلى نحو 239 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع يعكس اختلالات هيكلية في الإيرادات والمصروفات، كما واجهت الدولة آنذاك ضغوطا متزايدة على الاحتياطي النقدي، وتراجعا في موارد النقد الأجنبي نتيجة انخفاض السياحة والاستثمارات الأجنبية، وهو ما زاد من صعوبة تمويل الاحتياجات الأساسية.
كذلك دخلت حكومة محمد مرسي في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار، في محاولة لسد فجوة التمويل ودعم استقرار الاقتصاد، ورغم أن القرض لم يُستكمل في نهاية المطاف بسبب تعثر المفاوضات المرتبطة بشروط الإصلاح، فإن مجرد التوجه إليه يعكس حجم الضغوط المالية التي كانت تواجهها البلاد، ويُظهر أن خيار الاقتراض كان مطروحا بقوة كأحد الحلول المتاحة.

يحيى موسى
ولم يقتصر الأمر على التفاوض مع المؤسسات الدولية، بل شهدت تلك الفترة أيضا الاعتماد على قروض ومنح من دول أخرى، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، وهو ما يتناقض مع الخطاب الحالي الذي يروج لفكرة الاستغناء عن الديون الخارجية، كما أن السياسات الاقتصادية التي طُرحت آنذاك لم تنجح في تحقيق اختراق حقيقي في ملف الإيرادات أو جذب استثمارات كافية، ما أدى إلى استمرار الضغوط على المالية العامة.
وتكشف هذه المعطيات عن فجوة بين الشعارات التي ترفعها أوراق "المؤتمر الوطني الأول" بشأن تحقيق إصلاح اقتصادي دون اقتراض، وبين الواقع الذي فرض نفسه خلال تجربة الحكم الإخواني، حيث لم يكن بالإمكان تجنب اللجوء إلى أدوات التمويل الخارجي في ظل عجز الموارد المحلية عن تلبية الاحتياجات، فالإصلاح الاقتصادي لا يعتمد فقط على النوايا أو الطروحات العامة، بل يرتبط بقدرة الدولة على تنفيذ سياسات متكاملة، تشمل ضبط الإنفاق، وزيادة الإيرادات، وتحفيز الإنتاج، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار.

رضا فهمى
كما أن الحديث عن الاستغناء عن الاقتراض يتطلب توفير بدائل واقعية، مثل زيادة الصادرات، وتحقيق فائض في الميزان التجاري، وتعزيز موارد الدولة من العملات الأجنبية، وهي أمور لم تتحقق بشكل ملموس خلال فترة حكم الإخوان، ما جعل خيار الاقتراض، أحد المسارات التي تم اللجوء إليها خلال حكم محمد مرسي.