حازم حسين

قطط لا تصطاد الفئران

الثلاثاء، 21 أبريل 2026 02:00 م


لا الحرب مطلوبة لذاتها، ولا السلام. أو هكذا يتصرف صاحبا القرار فى واشنطن وطهران.
والأول مُعلن باندفاعه ومزاجيته ولسانه السليط؛ أما الثانى فشبح، له مُسمّى المرشد مجتبى خامنئى، ورائحة قائد الحرس أحمد وحيدى، وربما آخرون يتخفّون وراء الرجلين الخفيين.

تستصحب الهشاشة معها شعورا بترصُّد الآخرين، وتزدهر أفكار المؤامرة بالشمولية والانكشاف.. وتضخّم الأمر لدى البعض لحدود الحديث عن سمكة «رنجة حمراء».

يشير الاصطلاح لمُغالطة منطقية شهيرة، قوامها الانصراف عن الأصل إلى فرع من خارج السياق. والقصد أن العمامة التى نُصّبت قبل أسابيع، مُجرد خيال مآتة/ «مترسك» كما تُقال بالفارسية، أو موضوع للجدل، وشاخص افتراضى للتصويب غير القاتل.

وُصف فى التليفزيون الرسمى بـ»جريح الحرب»، وتقارير الصحف والاستخبارات تتحدث عن إصابات بالغة، ويتمادى البعض إلى الجزم بالموت، أو افتقاد الأهلية والقدرة على الحركة، وأن الموقع الأرفع يشغله من وراء ستار، أحمد علم الهدى أو رضا أعرافى أو ميرباقرى وسواهم.

والجلىّ أن الرأس ليس واحدًا، والأعضاء أو أغلبها فى خصام. فقدت الجمهورية الإسلامية تماسكها القديم، ويبدو النظام فى شيخوخته، يوشك على السقوط؛ وإنما الخلاف على الكيفية والإيقاع!

أراد البيت الأبيض، أو استُدرج على غير هواه؛ فالمُحصّلة أنه فى الميدان، ولن يعود خالى الوفاض، كما لن يقبل بأقل ممّا رفضه سابقًا.
اتفاق أوباما فى 2015 لن يكون كافيا، والقبول بإرساء توازنات جيوسياسية أسوأ من السابقة لا وجاهة فيه ولا منطق، وكل ما يُضاد ذلك من رسائل؛ نتاج قصدية الغموض والإرباك، وبغرض التلاعب النفسى بالغريم.

لم يعُد الردع فعّالاً؛ ولو توهّم الملالى والجنرالات خلاف ذلك. الهُدنة لامتصاص الحرارة وتفريغ الدخان من قِدر الضغط، والتهديد مع التراجع المُتكرّر؛ لخلط الأوراق بين الصقور والحمائم، واستعادة المُبادأة على مسرحٍ مكشوف بالكامل.

يخوض ترامب المواجهة بدماغه وحده، ويُحاول الآخرون مُحاكاته؛ غير أنه لا يخسر كما يخسرون، ولن يحتاج زمنًا طويلاً للنقاهة، كما سيكتشف حُكّام فارس بعدما ينقشع الغبار.
ما أسفرت جولة التفاوض الأُولى عن شىء، وأعلن الرئيس الأمريكى، الأحد، إرسال وفده للقاءٍ ثانٍ فى إسلام آباد، قبل ساعات من انتهاء مُهلة التهدئة غدًا؛ وبالتزامن مع مناوشات فى هُرمز؛ بدت كأنها تحرّشٌ غير مُباشر، ومحاولة لوضع الأغلال فى معاصم الإيرانيين.

تحرّشت بحرية الحرس بسفينتين أوروبيتين، كتب عنهما سيد البيت الأبيض باستهزاءٍ من الحلفاء، وسخرية من إغلاق المضيق، وما يربحه جرّاء النزق الأصولى؛ ثم وجّه قوّاته فى الجوار للرد بتوقيف ناقلة إيرانية، وإنزال مقاتلين على سطحها.

ردّت الخارجية فى طهران بالإدانة، وبإنكار التوجّه إلى ورشة الحوار المُقررة فى باكستان، لإنجاز صفقة أو تمديد المُهلة القائمة.
انفعال ناتج عن الغضب، والأرجح أنهم سيذهبون، وسيرضخون فى النهاية؛ إلا أن الإشارة المُلفتة أننا إزاء مواجهة مُتكافئة فى الجنون، وكما لو كان الطرفان وجهًا واحدًا ينعكس فى مرآة مستوية.

تُنسب لسقراط مقولة بليغة فى البشر وعقولهم، تُصنّفهم على ثلاثة أوجه: «الحكماء يناقشون الأفكار، والعوام يتناقلون الأحداث؛ أما السفاء فينشغلون بالأشخاص».

الحكمة ضالة المؤمن، كما يقول الأثر، ولا حاجة لإثبات أنها ضائعة فى القصة الماثلة، ويصح فى شخوصها الوصف بالسفه، من جهة الشخصنة، والحميّة للذات أو المُغامرة بكل شىء لأجلها، وإلى الشكلانية وتقديم المظهر على الجوهر.

عندما سعت الصين للخروج من إرث ماو، والتحوّل إلى صيغة اقتصادية أكثر نُضجًا ونجاعة، اضطلع دينج شياو بينج بمهمة التأطير وإعادة الهيكلة، مازجًا الاشتراكية الماوية بشكل مُخفف ومنضبط من ليبرالية السوق، وقال وقتها: «لا يهم لون القط، المهم أن يصطاد الفئران».

والرؤوس الكُبرى فى واشنطن وطهران مُنشغلة باللون أكثر من الاصطياد. الوحيد الذى يُركز على هدفٍ واحدٍ، قاسٍ ومُهدِّد بتفخيخ المنطقة على المدى البعيد؛ إن لم يُفجّرها عاجلاً، رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وطموحه لتحييد منافسه الأصولى المُتطرف، ووراثة تركة الشيعية المُسلّحة وفوضاها العارمة فى المنطقة.

يجِدُّ الوسطاء فى الاستدراك، وشرح المارشال عاصم منير لترامب خطورة حصاره البحرى، وبالتأكيد نُقِلت لإيران إضاءات وتحذيرات من التمادى فى غيّها الصلب، والإبحار فى اتجاهات مُظلمة وبلا خرائط واضحة.

الظاهر سلبى للغاية، والكواليس مُطمئنة، والتوفيق بين المسارين يتطلّب مُقاصّة سياسية وإعلامية ناضجة، لا تعض لدرجة العصر أو البتر، ولا تتنازل فى السر وتستأسد فى العلن.

إذ لا يُمكن الخصم من الرصيد على الناحيتين، والطرف الأضعف واقعيًّا، أحوج إلى موازنة نفسية بالدعاية والترفّق المعنوى.
يتردّد أن مسألة التخصيب حُسِمَت فى المبدأ، ويُختلَف على الآلية فحسب. بين التعليق لخمس أو عشر أو عشرين سنة. كان الاتفاق السابق عند أدنى نسبة للاستخدامات السلمية، وليس دونها إلا الوقف، ولا فوقها إلا الاستنزاف المفتوح، والاختيار حسب الكُلفة والاحتمال!

الأبواب غير مُشرّعة، ويجب ألا تُغلَق تماما. من الحكمة ألا تخنق عدوّك بالحصار، وأن تترك له ثغرة للنجاة أو الهرب. تُقيّم الحروب بغاياتها ونتائجها، وينشغل المهزومون بالوسائل والصور والمُبرّرات.

لُفِّق نظام الولى الفقيه من نثار أفكار هامشية مُختَلَف عليها، ويكاد يُجمِع القريب والبعيد اليوم على أنه فى خواتمه؛ باستثناء المُؤمنين به والمُستندين إليه والمُنتفعين منه.

وإن شاء الممسكون بخناقه أن يُطيلوا عُمره؛ فلا بديل عن أن يتنحّى المتسبّبون فى الكارثة الحالية، وتُوضَع الدولة فوق القبيلة والمذهب، وتُعاد هيكلة منظومة الحكم من داخلها، والمدخل إلى العقلانية بالاعتراف والاعتذار والتصويب، للذات والآخرين، وضحايا الملالى على رقعة الإقليم وفى فارس.
ومن دون ذلك؛ ستكون الهُدَن فواصل بين المعارك، والصراع وشمًا على وجه الجمهورية، وانقضاض دعائمها بملاليها وحرسها وجنرالاتها وميليشياتها الرديفة، مسألة وقت لا أكثر!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة