أصدرت الأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية، ويهودية يوم 29 نوفمبر سنة 1947، وخصص القرار نحو 56 % من مساحة فلسطين للدولة اليهودية، بالرغم من أن عدد اليهود فى فلسطين كان نحو 300 ألف، وملكيتهم من الأراضى لا تزيد على 6 %، مقابل مليون ومائة ألف عربى يملكون 94 % من أرضها.
مع هذا القرار تصاعدت الجرائم لاقتلاع الفلسطينيين من قراهم، فدعت جامعة الدول العربية إلى فتح باب التطوع للشبان العرب، ووجدت هذه الدعوة استجابة كبيرة فى مصر من ضباط وجنود الجيش، ومنهم البكباشى أحمد عبدالعزيز الذى جدد تقديم طلبه إلى قيادته العسكرية يوم 20 أبريل، مثل هذا اليوم، 1948 يقول فيه: «أنا البكباشى أركان حرب أحمد عبدالعزيز من سلاح الفرسان ألتمس إحالتى على الاستيداع لمدة ستة أشهر»، وتمت الموافقة عليه فورا بعد مماطلات ورفض بدأت من يناير 1948، حسبما يذكر «أبو الحجاج حافظ» فى كتابه «البطل أحمد عبدالعزيز».
تقرر أن يكون أحمد عبدالعزيز قائدا للمتطوعين المصريين، وكان تحت قيادته وقائدا للمدفعية الضابط كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، وينقل أبو الحجاج حافظ عنه قوله «أنهم ترقبوا من سيقودهم فى فلسطين إلى أن جاءهم النبأ بأنه البكباشى أحمد عبدالعزيز ففرحوا لأنهم يعرفون من هو، إنه أستاذنا فى التاريخ العسكرى بالكلية الحربية، وكان يلقن طلبته كراهية الاستعمار والمستعمرين، وكان فى نظرته جد، وفى ملامحه عزم، وفى مظهره تحفز، ولم تكن هذه النظرة من الجد والعزم، أو هذا المظهر من مظاهر التحفز، أو تلك العبارات الحاسمة التى تندفع من فمه كطلقات البنادق لم تكن جميعها لتنجح فى إخفاء دماثة خلقه ورقة طبعه وطيبة قلبه، وكان يترجم هذا كله بابتسامة حلوة ترتسم على شفتيه وفيها إباء وإيمان».
يكشف هو فى سيرة مختصرة لحياته كتبها فى ثلاث صفحات وأهدها لصديقه البكباشى عبدالرحمن زكى، ونشرتها «آخر ساعة» فى عدد 724، يوم 8 سبتمبر 1948، أنه انخرط فى النضال الوطنى ضد الاحتلال الإنجليزى منذ صغره، واتهم فى حوادث الاغتيال سنة 1921، وظل فى المعتقل حتى برأته المحكمة بعد 3 شهور، ولأنه كان الأول على دفعته بالحربية، خيروه فى السلاح الذى يلتحق به، فاختار «السوارى» لأن أحد المنجمين قال له: «ستكون فارسا، وستهواك امرأة جميلة، ستعجبك أخلاقها وصوتها وستحبك لشهامتك وشكلك».
دخل أحمد عبدالعزيز فلسطين على رأس قواته من المتطوعين الذين احتلوا القطاع الشرقى الواقع جنوب القدس، وشمال بيت لحم، وكانت تسمى «القوات الخفيفة» أو «قوات الكوماندوز»، وأذاع على أهالى المنطقة الجنوبية نداء مطبوعا بتاريخ 15 مايو 1948، قال فيه: «إن الجهاد طويل الأمد، وفى سبيل الحصول على النصر الأخير لا يهتم القائد بالمدن ومظاهر النصر، بل يهتم بالطرق التى تخدع العدو وتؤدى إلى إفنائه فلا يثبط هممكم سقوط بلدة أو مدينة».
قاد بقواته معارك بطولية هائلة ضد المستعمرات اليهودية، وفى 29 مايو 1948 نشرت له جريدة «أخبار اليوم» حوارا أجراه معه فى بيت لحم الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل الذى كان قريبا منه، ويقوم بالتغطية الميدانية للحرب من فلسطين، قال فيه إنه كان له فى حياته ثلاثة آمال «أن أكون بطل العالم فى الفروسية، وكنت قريبا من تحقيقه، ولكن الظروف لم تشأ، وكان أملى الثانى أن أحقق مجدا عسكريا فى حرب من الحروب، وأشار إلى مستعمرة «رامات رحيل» التى تحترق، ثم قال: أظن أن هذه الحرب مقدسة»، والأمل الثالث أن أؤلف كتابا عسكريا يعيش إلى الأبد، وبدأت فى فصوله، واخترت له اسم «المفاجأة».
وفى 22 أغسطس 1948 استشهد أحمد عبدالعزيز، وفى ذكراه الأولى كتب هيكل فى آخر ساعة، عدد 24 أغسطس 1949: «كانت أمنية أحمد عبدالعزيز أن يموت فى الميدان، وتحققت أمنيته، كان كالشهاب، وكالشهاب لمع فى حياة بلده ومر مرورا خاطفا».
استشهد وعمره 41 عاما، فهو من مواليد 29 يوليو 1907 بالخرطوم حيث كان والده ضابطا يخدم فى السودان، ويكشف هيكل أن قصة استشهاده بدأت قبل 22 أغسطس بأسبوعين، حيث بدأ يتصرف كما لو كان يعلم أنه سيموت، ويضيف: «كان يقضى إجازة فى القاهرة، ولم تكن إجازة بالمعنى المفهوم، وإنما كانت كفاحا، وكاد يجن بسبب ملابس الشتاء لجنوده، وقصتها أن الجامعة العربية التى تتولى الإنفاق على المتطوعين كانت هى التى ستوفر هذه الملابس، لكنها تأخرت، وكان يذهب إلى الجامعة لطلبها فتتم إحالته من قسم إلى آخر ومن مكتب إلى آخر، ثم اقترب العيد وقرر أن يعود ليقضيه بين جنوده»، ويكشف هيكل «أنه ذهب ليودعه قبل سفره فأوصاه بأن يذهب إلى عبدالرحمن عزام باشا أمين الجامعة ويذكره بموضوع الملابس، قائلا: تابع الموضوع لأننى أعلم أننى سأموت، فرد هيكل مندهشا: لا تقل هذا الكلام».