في مشهد يعكس أقصى درجات التناقض، تخرج منصة "ميدان" الإخوانية في الوثيقة السياسية لتتحدث عن "تغليب المصلحة الوطنية على الحزبية والشخصية"، بينما يقف تاريخ الجماعة الإرهابية شاهدًا على عكس ذلك تمامًا، من صدام مع مؤسسات الدولة إلى تجاهل صريح لإرادة الشعب في لحظات مفصلية، وهذا الطرح لا يبدو مجرد تناقض عابر، بل محاولة محسوبة لإعادة تغليف خطاب قديم بعبارات براقة، في وقت لا تزال فيه الوقائع حاضرة، تكشف الفجوة الواسعة بين ما ترفعه الجماعة الإرهابية من شعارات، وما مارسته فعليًا على الأرض.
وفي هذا السياق، قال طارق البشبيشي، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، إن هذا الشعار الذي تطرحه منصة ميدان ليس جديدًا في خطاب جماعة الإخوان، لكنه دائمًا ما يظهر في لحظات الأزمات كمحاولة لإعادة التجميل السياسي، وليس كتعبير عن قناعة حقيقية.
وأضاف "البشبيشي" أن الحديث عن تغليب المصلحة الوطنية يتناقض بشكل صارخ مع تاريخ الجماعة، التي أثبتت في أكثر من محطة أنها تضع مصالحها التنظيمية فوق أي اعتبار، حتى لو كان الثمن هو استقرار الدولة نفسها.
وأوضح أن ما حدث عقب 30 يونيو يمثل نموذجًا واضحًا لهذا التناقض، حيث رفضت الجماعة الانحياز لإرادة الشعب، واتجهت إلى مسارات تصعيدية ساهمت في خلق حالة من الفوضى والتوتر، وهو ما يتنافى تمامًا مع أي حديث عن مصلحة وطنية.
وأكد البشبيشي أن إعادة طرح هذه الشعارات عبر منصة ميدان الإخوانية يعكس محاولة مكشوفة لإعادة صياغة الصورة الذهنية، دون أي مراجعة حقيقية للمواقف السابقة أو اعتراف بالأخطاء.
وتابع: الإخوان يكذبون كما يتنفسون، وهذه ليست عبارة إنشائية، بل توصيف دقيق لطبيعة خطاب يعتمد على تبديل المواقف وفقًا للظروف، حيث يتم رفع شعارات مثل "المصلحة الوطنية" في الوقت الذي تكشف فيه الممارسات عكس ذلك تمامًا.
واختتم حديثه مؤكدًا أن أي حديث عن مبادئ أو شعارات يجب أن يُقاس بالفعل على الأرض، وليس بما يُكتب في وثائق أو يُنشر عبر منصات، لأن التجربة أثبتت أن الفجوة بين خطاب الإخوان الإرهابية وممارساتهم لا تزال قائمة.
وفي ذات السياق، أكد منير أديب، الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن منصة «ميدان» التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية تمثل امتدادًا لمنصات العنف الإلكتروني التي تسعى الجماعة من خلالها إلى إعادة إحياء خطابها التحريضي، بعد فشلها في تنفيذ مخططاتها المسلحة على أرض الواقع.
وأوضح أديب، أن ما يُسمى بـ«المؤتمر الوطني الأول»، الذي تروج له بعض القيادات المرتبطة بالجماعة، يضم عناصر على صلة مباشرة بميليشيات إرهابية مثل «حسم» و«لواء الثورة»، مشيرًا إلى أن هذه الكيانات تحاول إعادة إنتاج العنف ولكن بأدوات رقمية تستهدف تحريض الرأي العام وبث الفوضى.
وأضاف منير أديب، الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن الجماعة سبق أن لجأت إلى تشكيل ميليشيات مسلحة وتنفيذ عمليات إرهابية، إلا أن يقظة الأجهزة الأمنية ونجاحها في تفكيك تلك الشبكات دفعها إلى تغيير استراتيجيتها، والانتقال إلى الفضاء الإلكتروني كبديل لنشر أفكارها المتطرفة ومحاولة تجنيد عناصر جديدة.
وأشار أديب، إلى أن منصة «ميدان» تسعى إلى حشد المواطنين وتحفيزهم على تبني العنف ضد الدولة، من خلال خطاب إعلامي موجه، مؤكدًا أن الهدف الحقيقي يتمثل في إسقاط مؤسسات الدولة أو على الأقل إعادة طرح مشروع الجماعة مرة أخرى.
وكشف الباحث في شؤون الإرهاب عن أن القائمين على هذه المنصة يضمون شخصيات مثيرة للجدل، من بينها عناصر متهمة في قضايا إرهابية، إلى جانب وجوه معروفة بخطابها التحريضي، مؤكدًا أن ذلك يعكس الطبيعة الحقيقية لهذا الكيان.
وأكد على أن هذه التحركات تمثل محاولة لصناعة "فوضى إلكترونية" تمهيدًا لنقلها إلى الواقع، في إطار استراتيجية الجماعات المتطرفة التي تسعى دائمًا إلى استغلال الفضاء الرقمي كأداة لنشر الفوضى وعدم الاستقرار.