بمناسبة حوادث إنهاء الحياة، أو الجرائم العائلية، لأسرة كرموز وسيدة الإسكندرية، ظهرت بسرعة مناقشات من قبل من نسميهم قضاة فيس بوك، تفرض اتجاهات معينة للنقاشات، وتصدر أحكاما فى قضايا بطبيعتها معقدة، ونرى الواحد من هؤلاء يلقى اللوم على الأزواج الذكور جميعا، ويرد آخر بإلقاء اللوم على كل الزوجات جميعا، بينما القضية أكثر تعقيدا وتحتاج بالفعل لمناقشات واسعة بين خبراء المجتمع والنفس والقانون، ونخشى ألا تكون التشريعات وحدها قادرة على معالجة مشكلات الأسر المتفسخة، وإنهاء معاناة الأطفال الذين يذهبون غالبا ضحايا عناد بعض الآباء أو الأمهات، حيث لا ملائكة أو شياطين وإنما بشر بعضهم يعانى خللا أو شرا يدفعه لمعاندة الطرف الآخر، ومثلما يعرف البعض منا أزواجا لا يملكون قلوبا أو عقولا، ويمارسون قمة التعنت ضد الزوجات السابقات أو الحاليات، ونعرف زوجات يمارسن نفس التعنت لتعذيب الأب.
وبين أسر آباء أو أمهات، هناك أجداد وجدات مرضى، يحاصرون الأبناء أو البنات ليفسدوا علاقاتهم، ويقودوا إلى صدامات تنتهى بالمحاكم، ولا تحل أى أزمات، ومن أهم أدوار الإعلام، هو طرح الأسئلة الصحيحة، بحثا عن إجابات، من دون رؤية مسبقة أو أحكام جاهزة، لأن هناك دائما ألغازا فى كل العلاقات تحتاج أن يستمع المحكم إلى كلا الطرفين وينظر فى أوراق، ويراجع كلام كل طرف، بعيدا عن أسبقية الوصول إلى الكاميرا، ثم يستمع إلى الطرف الآخر، حتى يمكنه تكوين وجهة نظر، وللأسف فى القضايا أمام محاكم الأسرة، يفوز فى حالات كثيرة من يمكنه توكيل محام أكثر احترافا، أو من يمكنه تدبير أوراق وأدلة حتى لو كانت مزيفة، أو يعتمد على غياب قدرة أحد الأطراف على تقديم أوراق وأدلة، وفى المقابل هناك عشرات الحالات يتم فيها الطلاق مع استمرار الاحترام بين الطرفين، ويراعى الأب حقوق الأبناء، وتراعى الأم قدر الأب، وتسير الأمور بشكل إنسانى سلس بين أشخاص طبيعيين، بينما العلاقات الحربية بين بعض الأزواج والزوجات تكشف عن نفوس غير سليمة.
وفى حالات الجرائم والحوادث العائلية، أو حالات الانتحار أو التخلص من الحياة يفرط البعض فى إصدار أحكام بناء على ما يراه ويبنى الدفاع أو الهجوم، رأينا آراء تهاجم ضحايا، أو تحيى زوجا متعنتا، والنتيجة لا يمكن الوصول للحقيقة، ولا تكوين وجهة نظر بينما تندلع حروب ومعارك للنميمة، أو بين أطراف اعتادوا التعصب وممارسته فى كل أحوالهم، يعجزون عن النقاش على أى قضية ولو كانت تافهة، ومع اتساع مواقع وأدوات التواصل الاجتماعى، وتضاعف أعداد المستخدمين، نحن أمام مجتمع كامل، يضم الطيبين والأشرار والجهلاء والمجرمين والأبرياء، وبقدر ما تحمل هذه الأدوات الكثير من الميزات فهى أيضا تحمل عناصر التدمير والخطر والتهديد، وهناك أنواع من الجرائم تقع، من ضمنها التنمر أو القذف والسب أو الإساءة والتشهير والابتزاز، التى يمارسها البعض ممن يفتقدون إلى الاعتدال، أو التربية السليمة، وبينهما جرائم أسرية أو أزمات عائلية تغذيها الملاسنات وتبادل الاتهامات علنا والتشهير بالشكل الذى يجعل العودة الى أى حوار مستحيلا يضع الطرف المجنى عليه تحت ضغوط تخنقه وتعجزه عن التفكير فيختار الابتعاد أو يشعر بالعجز، ويختار النهاية هربا أو اكتئابا.
هنا نحن بحاجة إلى خطوط داخل المجتمع تمنح المضغوط، أو المكتئب، فرصة للتفريغ أو الشكوى، مع حفظ أسراره وخصوصيته، مثل خطوط علاج الإدمان، خاصة وقد تضاعفت الحالات التى يعانى أصحابها من اكتئاب وشعور بالعجز، ويحتاجون تدخلا سريعا، بشكل إنسانى ونفسى يساعدهم على تخطى الأزمات النفسية.
أما الجزء الخاص بتشريعات الأسرة، علينا الانتباه أننا - وعلى مر أجيال - شهدنا تشريعات وتعديلات عليها، كلها تهدف لحماية الأسرة فى حال وقوع انفصال، وعلى مدى عقود يتضح أن التشريعات وحدها لا تكفى، وأن هناك أمورا وعناصر أخرى يجب توفيرها قد تشكل حماية، وهذا موضوع آخر نتابعه، بعيدا عن قضاة السوشيال ميديا الذين لا يهمهم سوى المشاهدات والمتابعين.
