قالت وزارة الأوقاف إن الانتحار في الإسلام من أعظم الذنوب وأشدّها خطورة، وقد جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بتحريمه تحريمًا قاطعًا لا لبس فيه، وجُعل في ميزان الشريعة من كبائر الإثم التي تهدم حرمة النفس التي كرّمها الله تعالى، وتتنافى مع معاني الصبر والرضا والتوكل على الله، وقد عالجت الشريعة الإسلامية هذه الجريمة من عدة جوانب وإليك بيان بعضها:
حرمتك أفضل من حرمة الكعبة المشرفة:
مهما مرت بك من مصاعب وابتلاءات، ومهما عانيت من مشكلات لا بد أن تعلم أن نفسك عند الله غالية، وأن الحياة بكل ما فيها لا تساوي نَفَسًا من أنفاسك.
إن الكعبة المشرفة دون حرمة نفسك، فنفسك عند الله أعلى وأغلى، فلماذا تضيق بك الدنيا وأنت عند الله غال!!
فعَن سيدنا عبد الله بن عَمْرو قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول: مَا أطيَبَكِ وَمَا أطيبَ رِيحك! مَا أعظمك وَمَا أعظم حرمتك! وَالَّذِي نفسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن عِنْد الله أعظم من حرمتك مَاله وَدَمه"، والحديث حسن وله شواهد.
أنت محل تكريم الله تعالى:
ألا فلتعلم ما اختصك الله تعالى به من بين البرية كلها، جعلك إنسانًا مكرَّمًا على كل الخليقة، ومنحك العقل، وأعطى لك الحرية، وأنزل لك الكتب، وأرسل لك الرسل، ودعاك كل يوم إلى بيته خمس مرات، تستعين به وتلجأ إليه، فلم عزفت عنه؟، ولم وجهت وجهك إلى غيره؟، ألا فلتستعن بمولاك، وتعتمد عليه، وتثق فيه، ولتعلم أن مع العسر يسرًا، وأن بعد الضيق فرجًا، فلا ملجأ منه إلا إليه.
أنت عند الله غال:
ليكن شعارنا لأنفسنا ولشبابنا ولأولادنا وأهلينا: أنت عند الله غالٍ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ»، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ»؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا، قَالَ: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أَوْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ». [رواه ابن ماجه].
قتل النفس جريمة:
فلا يجوز بحال، الإقدام على قتل النفس التي حرم الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، فكيف بمن قتل نفسه التي استودعه الله إياها!
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». [رواه مسلم].
وقد أجمع أهل السنة على أن من قتل نفسه بأي طريقة كانت أنه مؤمن عاصٍ، ارتكب ذنبًا عظيمًا حين فقد الثقة بخالقه وبنفسه، وفقد ميزان فكره وعقله فأقدم على هذه الفعلة النكراء، ولكن ربما أقدم عليها وهو في غياب عقل، أو حالة يأس سقط معها الإدراك والوعي والتكليف، ولذا أمره إلى مولاه أرحم الراحمين.
وحملوا الحديث على واحد من أمرين:
الأول: أنه عقاب محمول على التغليظ والتشديد والتحذير كما جاء في كثير من الشرعيات، كحديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فقد كفر"، واتفقوا على أنه لا يكفر إذا تركها تكاسلًا أو تشاغلًا، وكذا حديث: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، وأجمعوا على أنه لا يكفر إذا حلف بغير الله ما دام تعظيم الله تعالى يملأ قلبه، ولكن الحلف حرام أو مكروه على قولين.
الثاني: أن الزيادة الواردة في الحديث من وهم أحد الرواة، فقد جاءت من طريق واحد، بينما روى الحديث غير واحد فلم يذكر فيها خلوده في النار، قال ابن الجوزي: "ذِكْرُ الخلود إنما هو في رواية أبي صالح عن أبي هريرة، وقد رواه سعيد المقبُري والأعرج عن أبي هريرة، ولم يذكرا فيه "خالدًا مخلدًا أبدًا" قال الترمذي: وهذا أصح، وقال القاضي أبو يعلى: هذا محمول على من فعل ذلك مستحلا لقتله ومكذبا بتحريم ذلك بدليل الأحاديث المروية في أن المسلمين لا يخلدون" [كشف المشكل من أحاديث الصحيحين].
وقال الحافظ ابن حجر عن الحديث السابق: "وقد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها: توهيم هذه الزيادة، قال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبُري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدًا مخلدًا، وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب قال: وهو أصح؛ لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها ولا يخلدون" راجع: [فتح الباري].
لا خلاف في إباحة الصلاة على من قتل نفسه:
مع أن قتل النفس (الانتحار) من كبائر الذنوب إلا أن العلماء قد اتفقوا على أنه يصلى عليهم ويدعى لهم، وشدد بعض أفراد العلماء فمنعوا أنفسهم من الصلاة عليهم ولم يمنعوا غيرهم تغليظًا، وقد اتفق علماء المذاهب الأربعة على أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، قال ابن بطال: "أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه يصلى عليه، وإثمه عليه كما قال مالك، ويدفن في مقابر المسلمين" [شرح البخاري].
وقال ابن المنذر رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبي صلى اللَّه عليه وسلم من الشهداء الذين أكرمهم اللَّه بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم صلى على من أصيب في حدّ، يعني: الغامدية" راجع: [ذخيرة العقبى].
ويؤيد هذا ما جاء في "صحيح مسلم" أنه لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَات، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ".
وبارز عَامِرُ بْنَ الأْكْوَعِ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، قَالَ: فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ، قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُونَ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ "قَالَ: قُلْتُ: نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، قَالَ: «كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» [صحيح مسلم].
الناس مع المنتحر صنفان:
يخطئ في حق الله تعالى وحق المنتحر صنفان من الناس:
أحدهما: من يشيد بفاعل هذه الجريمة البشعة، والكبيرة الموبقة، ويخلع على فاعلها ألقاب الشهادة، والشجاعة، والفداء، وربما أغرى السفهاء من ضعفاء العقول، شعرًا، أو نثرًا، بمحاكاتها، وتَكرارها، وهو مسلك خطير، إذ لا بد من تحذير مَن تراوده نفسه للإقدام على هذه الفعلة النكراء وبيان قبحها.
ثانيهما: من يقطع بالحكم على أعيان هؤلاء المنتحرين بالنار، ويصب عليهم جام غضبه، ويدخل في حكم الله تعالى وقضائه فيهم، فيحكم عليهم بالكفر أو النار أو الخلود.
وفي الحقيقة: لا يسعنا إلا أن نعترف ببشاعة وشناعة هذا الفعل وأنه لا بد للعبد أن يوثق علاقته بالله تعالى، وأن يتحلى بالصبر، وأن يعلم أنه مبتلى على كل حال، وأن يُعمل عقله للخروج من تلك المشكلات والأزمات، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل مريد مرادًا، ولا كل طالب واجدًا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له.
وفي الوقت ذاته نترحم عليه، ونسأل الله تعالى له المسامحة والتجاوز والغفران.
أجيالنا في مواجهة مصاعب الحياة:
إن الصبر على المكاره من علامات قوة الإيمان، وإن الجزع واليأس من صفات أهل الضعف والخَور، فالعاقل من رضي بالعيش حلوه ومره، وقابل الشدائد بعزيمة ثابتة وجَنان قوي، وليعلم العبد أن الأمور كلها بيد الله، وأن العسر يعقبه اليسر، والضيق يأتي بعده الفرج، والفقر يزول بالغنى، فلا دوام لحال ولا استمرار.
فمن حدّثته نفسه بـ الانتحار لضيق معيشته، أو مرض طالت مدته؛ أو إخفاق في امتحان، أو ضياع مال، أو فقد حبيب، فعليه بدل أن يسعى للتخلص من الحياة بأن يلقي نفسه من شاهق، أو يتناول سمّا، أو يبقر بطنه بمدية أو خنجر؛ أو يطلق على رأسه الرصاص، أو يرمي بنفسه تحت قطار، أن يوثق صلته بالله تعالى، وأن يلتمس العون منه سبحانه، وأن يأخذ بالأسباب، وأن يتقرب من أولي الألباب، فيسألهم ويستشيرهم في أمره وحاله.
فلا يظن أنه بإزهاق نفسه قد نجا وتخلص من العذاب، بل في الحقيقة عرض نفسه لسؤال شديد طويل الأمد، شديد الألم بما قتل به نفسه في الدنيا، فلا هو أبقى على حياته، ولا هو خالي المسئولية يوم القيامة.
فالحازم المفكر، والبصير المتدبر لا يستسلم لليأس؛ ولا يقنط من رحمة الله ولا يلجأ إلى مثل هذه النقائص، بل يثابر ويصبر ويكل إلى الله تصريف الأمور فالمريض يُشفى، ومن رسب في الامتحان هذا العام قد ينجح في العام القابل، ومن نزلت به كارثة في صحته أو ماله فإن الله قادر على أن يزيلها ويعوضه خيرا منها.
إن المؤمن إذا عزَّت عليه الأسباب توجه إلى ربه فسأله، لأنه يعلم أنه إذا كانت الأسباب لا تعطيه، فإن الله الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء قادر أن يعطيه بدون الأسباب، فالمؤمن لا تزعزعه الأحداث، ويتوجه إلى ربه وهو مؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله سيجعل له بعد العسر يسرًا، ويجعل له بعد الكرب فرجًا ومخرجًا، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: ٢، ٣].
أسباب الانتحار هل لها من حل؟:
إن معظم أسباب الانتحار التي نسمعها لا محالة لها أكثر من حل عند العقلاء، لكن غفلة الإنسان عن هذا الحل، والبعد عن الله تعالى، وما يستتبعه من الضنك، والشدة، وقلة التفكير في المصير، ساعد على تمكن هذه الفكرة الخطيرة من نفوس بعض الضعاف.
ثم عدم الاحتواء الأسري، فلربما تنحل المشكلة بحنو زوج، أو ولد أو أب أو أم، أو أخ أو صديق، وفقدان السند عند المشكلات ربما يكون من أصعب الأشياء على النفس، حين يستشعر الإنسان بأنه مهمل عند غيره، أو عندما لا يرى لنفسه مكانة عند أحد، ولا محبة عند قريب أو بعيد، مما يجعله ساخطًا على نفسه وعلى الدنيا بأسرها، ألا فلتتقاربوا ولتتراحموا فيما بينكم، ألا فلتحسنوا إلى الأقربين، ألا فلتنظروا إليهم بعين الرفق والرحمة، فلربما أصلحَت نظرةٌ حالَ إنسان.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» [رواه أحمد].
آثار جريمة الانتحار وأضرارها:
إن التعدي على النفس بالقتل يخلّف وراءه دمارًا على مستويات عدة:
على المستوى الفردي: هو الخسران المبين، حيث يغلق المنتحر على نفسه باب التوبة، ويفوّت فرصة المغفرة والرحمة، ويقدم على الله عاصيًا بأعظم الذنوب بعد الشرك، ويستقبل الوعيد الإلهي الشديد.
على المستوى الأسري: هو سهمٌ نافذ في قلب الأسرة، يترك وراءه جرحًا من الألم والحسرة لا يندمل، وقد يلحق بهم العار والوصمة الاجتماعية في بعض الثقافات.
على المستوى المجتمعي: هو مؤشر على خلل في شبكة الأمان المجتمعية، ودليل على انتشار ثقافة اليأس، وضعف قيم التكافل والتراحم التي هي صمام الأمان ضد الأزمات النفسية.
المعالجة الواقية من جريمة الانتحار (طريق النجاة):
إن علاج هذه الجريمة لا يكون بالنهي فحسب، بل ببناء منظومة متكاملة من الحصانة النفسية والإيمانية والمجتمعية.
المعالجة المفهومية والإيمانية:
تصحيح مفهوم الابتلاء: يجب أن نفهم، أن الدنيا دار امتحان لا دار استقرار، وأن الألم والشدة جزء من طبيعتها، وأن الصبر عليها هو عين العبادة.
تنمية اليقين بأن الروح أمانة: الروح ليست مِلكًا شخصيًا نتصرف فيه كيفما نشاء، بل هي وديعة إلهية أودعها الله فينا لغاية، وسيسألنا عن هذه الأمانة.
اللجوء إلى البديل النبوي: لقد حرم الإسلام حتى مجرد "تمني الموت"، ولكنه قدم البديل العملي لمن ضاقت به السبل، وهو الدعاء المفعم بالتسليم: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»، هذا الدعاء هو قمة العبودية، حيث يفوّض العبد أمره كله لعلم الله وحكمته.
المعالجة المجتمعية والسلوكية:
تفعيل دور الأسرة والمجتمع: على المحيطين بمن يمر بأزمة نفسية واجب الاحتواء والاستماع والدعم، وربطه بأهل الاختصاص من الأطباء النفسيين والعلماء.
بناء الحصانة المجتمعية: إن تعزيز شبكات الدعم الاجتماعي والأسري، والسعي نحو تحقيق الاستقرار المعيشي وتوفير الحياة الكريمة للأفراد، ومعالجة مسببات العزلة، يمثل خط دفاع أساسي وحصنًا منيعًا ضد مشاعر اليأس، وفي الربط القرآني البديع في سورة النساء بين النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وبين النهي عن قتل النفس، ما يؤكد على أن الأمان المعيشي والاستقرار النفسي هما ركيزتان أساسيتان لحفظ النفس التي كرمها الله وصانها.