عندما لا يكون الحسم هو الهدف النهائي من الصراع، فإن ثمة تحولا جوهريا يطرأ على القواعد الحاكمة للنظام الدولي. حيث لم يعد السعي إلى إحداث تغيير جذري هو المسار الغالب، بقدر ما أصبح التحكم في التناقضات هو السمة السائدة، تجنبا لنتائج غير محسوبة كشفت عنها تجارب سابقة، أسفرت في كثير من الأحيان عن اختلالات على المستويين الدولي والإقليمي، مما يثير التساؤل حول الكيفية التي يمكن بها الحفاظ على وتيرة الصراع داخل حدود معينة، تحول دون انزلاقه إلى أنماط الحروب الكلاسيكية.
والواقع أن التحكم في التناقضات، أو بالأحرى إدارتها، يمثل المتغير الأبرز في طبيعة العلاقات الدولية الراهنة، سواء في إطار الخصومة، كما تعكسه الحروب الأخيرة، أو حتى في سياق التحالفات، التي لم تعد تقوم على الانسجام الكامل، بقدر ما باتت تشهد قدرا من التباين بين أطرافها. وهو ما دفع إلى البحث عن صيغ أكثر مرونة، على غرار الشراكة، التي أصبحت أكثر قبولا على الصعيد الدولي، باعتبارها الأقدر على احتواء التوترات المحتملة بين الشركاء.
ولعل إدارة التناقضات بين الشركاء تمثل امتدادا لطبيعة العلاقة القائمة في الأساس على قدر من الانسجام بين الأطراف، حيث يبقى الهدف من وراء هذا النهج هو الحفاظ على أعلى درجة ممكنة من التعاون لتحقيق الأهداف المشتركة، بما يحد من تأثير الخلافات القائمة بينهم دون أن يلغيها بالكامل، إلا أن الأمر يبدو أكثر تعقيدا في حالة الخصوم، خاصة في أزمنة الصراع، في ظل هيمنة النزعة العدائية على العلاقة، نتيجة التناقض الحاد في الأهداف والرغبة المتبادلة في فرض النفوذ، وهو ما يطرح تساؤلا حول كيفية إدارة العلاقة في ظل غياب أي أرضية مشتركة ظاهرة.
و الواقع أن اختفاء المشتركات بين الخصوم لا يعني غيابها بالكامل، كما أن انسجام التحالفات التقليدية لم يكن يعكس بالضرورة غياب الخلافات، بقدر ما كان يخفيها خلف تماسك ظاهري، ففي الحالتين، لا تختفي التناقضات، وإنما تدار، غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة ما يتم إدارته، ففي الشراكات تدار الخلافات حتى لا تعوق العمل الجماعي، بينما في الخصومة تدار المشتركات، أو ما يمكن تسميته بـ”التماهيات”، للحيلولة دون تحول الصراع إلى مواجهة وجودية، وهو البعد الذي لم يكن حاضرا في إدارة الصراعات في صورتها الكلاسيكية، ليس لغياب العنصر نفسه (التماهيات)، ولكن لطغيان النزعة العدائية على الرؤية البرجماتية، التي كان من المفترض أن تتجاوز معايير النصر والهزيمة، فكانت الحروب وجودية بطبيعتها، تفرض حسمها عبر القضاء الكامل على الخصم.
إلا أن تجارب الماضي، رغم ما صاحبها من نشوة لحظية لدى الأطراف المنتصرة، لم تفضي في حقيقة الأمر إلى هيمنة مطلقة، بل كشفت عن نتائج أكثر تعقيدا، حيث لم يؤدي القضاء الكامل على الخصم إلى استقرار دائم، بقدر ما فتح المجال لإعادة تشكيل التوازنات بصورة غير محسوبة، وهو ما يطرح تصورا مختلفا، مفاده أن بقاء الخصم، مع ضبط قدراته، قد يكون في كثير من الأحيان أكثر جدوى من السعي إلى إقصائه بالكامل
تلك الرؤية ربما سبقت إليها رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر، عندما سعت إلى الوساطة بين الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان ونظيره السوفيتي ميخائيل جورباتشوف، بعدما أبدى الأخير قدرا من المرونة في التعامل مع الغرب، وذلك بالرغم من تاريخ تاتشر الزاخر بالعداوة للشيوعية السوفيتية، إلا أن الزمن ربما لم يسعفها للحول دون انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما أسفر فعلا عن تراجع دور لندن، العدو اللدود لموسكو، لصالح الاتحاد الأوروبي، والذي ساهم بدوره في صعود قوى أخرى استلهمت دورها بالاندماج في الوحدة القارية.
وهنا يبدو أن بقاء الخصم في ذاته، مع تحديد قدراته وتجريده ولو جزئيا من إمكاناته، يمثل أحد أبرز نقاط التماهي، خاصة وان غيابه بالكامل قد يدفع نحو مخاطر غير محسوبة، وهو ما تجلى كذلك في المشهد الأمريكي في العراق، حيث فتح الغزو الطريق أمام سيطرة إيرانية على المشهد الاقليمي عبر أذرعها التي تمددت في كل انحاء الشرق الأوسط، لتتحول الى تهديد حقيقي للنفوذ الأمريكي بالمنطقة، ناهيك عن الكلفة التي تكبدتها واشنطن في حروب ليست نظامية واجهت فيها ميليشيات، أدت إلى خسائر فادحة.
والاحتفاظ ببقاء الخصم لا يقتصر على كونه تماهيا في الوجود، بل يخلق تماهيا آخر أكثر دقة، يتمثل في ضبط وتيرة الصراع نفسه، بحيث لا تتجاوز العمليات العسكرية حدود إضعاف الآخر بالنسبة للقوى الكبرى، أو الحفاظ على الصمود بالنسبة للأطراف الأضعف، وفي الحالتين، لا يكون الهدف هو الحسم، بقدر ما يكون التحكم في مستوى التصعيد، وهو ما يسمح باستمرار الصراع دون انزلاقه إلى مواجهة شاملة، ويمنح كل طرف في الوقت ذاته مساحة لتبني رواية الانتصار، على نحو ما تناولته في مقالي السابق.
ولا تقتصر التماهيات بين الخصوم على بقاء كل طرف أو ضبط إيقاع الصراع فقط، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بالبنية الأيديولوجية ذاتها، على خلاف ما كان سائدا في الحروب الكلاسيكية، التي دارت بين أيديولوجيات متعارضة على نحو حاد، لتكشف الصراعات الراهنة عن قدر من التماهي الأيديولوجي، حتى وإن بدا التناقض ظاهريا، ففي كثير من الحالات، لا يعمل الخصوم على إقصاء بعضهم البعض بقدر ما يسهم وجود كل طرف في تعزيز شرعية الآخر، سواء عبر تغذية المخاوف التي يستند إليها داخليا، أو من خلال توظيف الصراع ذاته كأداة لتأكيد حضوره السياسي، وهو ما يبدو في عدد من الصراعات الراهنة، حيث تتحول الأيديولوجيا من ساحة مواجهة إلى نقطة التقاء غير مباشر، تدفع نحو الإبقاء على الخصم، باعتباره جزءً من معادلة التوازن، وليس مجرد طرف يسعى إلى إقصائه.
وهنا يمكننا القول بأن الصراع لم يعد في صورته الراهنة يدور حول إنهاء الخصوم أو تحقيق نصر حاسم بقدر ما يتمحور حول إعادة تشكيلهم داخل معادلة أكثر تعقيدا، حيث تدار التناقضات بدل حسمها، وتضبط التماهيات بدل إنكارها، ويحتفظ بالخصم ليس بوصفه تهديدا وجوديا ينبغي إقصاؤه، وإنما كعنصر فاعل في توازن لا يستقر في غيابه، وبالتالي لم تعد القوة تقاس بالقدرة على الإطاحة بالآخر، بقدر ما باتت ترتبط بالقدرة على التحكم في مسار وجوده، وإعادة توظيفه داخل بنية الصراع ذاتها، بما يضمن استمرار المعادلة دون انهيارها، ويحول دون انزلاقها إلى نهايات حاسمة قد تفتح المجال أمام اختلالات أكثر خطورة.