تنبثقُ فلسفةُ تقويمِ المحتوى من جوهرِ السعيِ نحو تهذيبِ وتجويدِ مَناطِ الخبرةِ الممنوحةِ للمتعلم، ليكونَ هذا التقويمُ بمثابةِ المِصقلةِ التي تُهدي لتلافيف عقله معرفةً قويمةً، وليدِه مهارةً متفردةً، ولروحه قيمةً ساميةً تزيدُ من رصانةِ وجدانِه وعمقِ بصيرتِه، وعبر هذا البناءِ المتكامل، يتحولُ التعلّمُ من مجردِ تحصيلٍ عابرٍ إلى دافعٍ ذاتيٍّ يمنعُ قطارَ الطلبِ من التوقف، مُشعلًا في نفسِ المتلقي جذوةَ الشغفِ التي ترنو لاستكشافِ آفاقِ المعرفةِ وملاحقةِ كلِّ جديد، مما يحدو به إلى صياغةِ ممارساته وتطويرِ أدواته بمرونةٍ واقتدار، ليكونَ طاقةً متجددةً قادرةً على مواكبةِ مقتضياتِ العصرِ وتسارعِ إيقاعِه في ظلِّ أمواجِ التقنيةِ الجارفةِ وإفرازاتها التي لا تهدأ.
تتمركزُ الفجوةُ العصيةُ على تطويرِ المحتوى في ذلك الانفصامِ القائمِ بين ركائزِ النظريةِ وميادينِ التطبيق؛ حيثُ باتت مَهامُّ الأنشطةِ والتطبيقاتِ التعليميةِ في وادٍ، وما يترقبهُ سوقُ العملِ يرتكزُ في كينونتهِ على فلسفةِ الابتكار في وادٍ آخر، سعيًا نحو بلوغِ أرفعِ درجاتِ الريادةِ على المستويين المحلي والدولي، ومن هذا المنطلق، انعتقت رؤى التقويم من قيودِ التغيراتِ الشكليةِ العابرة، لتعتمدَ منهجيةً غائرةً في فحصِ الاحتياجاتِ بصورِها المتعددةِ والمتنوعةِ والشاملة؛ فهي لا تكتفي بالنظرِ إلى ذاتِ المتعلمِ فحسب، بل تمتدُ لتشملَ بيئاتِ التعلمِ بشتى تفاصيلِها، وتستجيبُ لنداءِ متطلباتِ قطاعاتِ التشغيلِ في مجالاتِها المتنوعة، صياغةً لمستقبلٍ تعليميٍّ يتسمُ بالوحدةِ العضويةِ بين المعرفةِ ومهنِ المستقبل.
تنبثقُ رصانةُ البناءِ التعليميِّ من إدراكٍ عميقٍ بأنَّ التوافقَ البنائيَّ يستعصي على التحققِ في معزلٍ عن مصفوفةٍ متكاملةٍ تشبكُ أطرافَ العناصرِ بغاياتٍ كبرى نترقبُ قطافَها؛ ومن هنا أضحى الارتباطُ الوثيقُ في إطارهِ الإيجابيِّ بين المحتوى العلميِّ وأهدافِهِ وأدواتِ تقويمِهِ ضرورةً حتميةً لا من قبيل الترف، وفي مِحورِ هذا المعيارِ الجوهريِّ، يتحتمُ علينا توجيهُ بوصلةِ الانتباهِ نحو الكفاياتِ المنشودةِ والمستقرةِ في نواتجِ تعلمٍ نجهدُ بصورةٍ مقصودةٍ على غرسِها وتعهدِها ضمنَ إطارٍ برامجيٍّ منضبطٍ وصارم، وعلاوةً على ذلك، يبرزُ واجبُ تفعيلِ المراجعاتِ المتكررةِ لجزئياتِ المحتوى وتفاصيلِه، ليتسمَ بالمرونةِ الكافيةِ التي تجعلُه طوعَ بنانِ متطلباتِ السوقِ المتغيرِ؛ تأكيدًا على أنَّ ركيزتي النظريةِ والتطبيقِ ستبقيانِ دومًا في مرمى الحداثةِ، ومنارةً تهتدي بها الممارسةُ المهنيةُ الواعيةُ في إطار كلِّ تجديد.
تتلاقى غاياتُ تحليلِ المقرراتِ بغيةَ تقويمِها عند مرافئِ المراجعةِ الفاحصةِ، التي تستكشفُ أبعادَ التناغمِ المنشودِ بين سياجِ المحتوى العلميِّ الدقيقِ وسائرِ عناصرِ المنهجِ؛ حيثُ تمتزجُ الأهدافُ المخططُ لها بألقِ طرائقِ واستراتيجياتِ التدريسِ، وتلتحمُ الأنشطةُ والوسائلُ التعليميةُ بما تجودُ به التقنياتُ الحديثةُ وأساليبُ التقويمِ الرصينة، وعلى هَدْيِ هذا التحليلِ العميقِ، نغوصُ في جَوهرِ المضامينِ لنستحدثَ من سياقِ الأفكارِ والاتجاهاتِ الكامنةِ في مَطويِّ النصوصِ ما يبعثُ فيها نَبضَ التجددِ، ونعمدُ بصورةٍ حثيثةٍ إلى تهذيبِ الممارساتِ المرتبطةِ بها؛ مِمَّا يُفضي إلى إرساءِ بيئةٍ تعليميةٍ ترفعُ من كفاءةِ المخرجِ التربويِّ، وتُعلي من شأنِ موضوعيةِ ارتباطِها بالسوقِ، ليكونَ العلمُ مِرآةً للواقعِ، والتطبيقُ ثمرةً ناضجةً لغراسِ النظريةِ في مَشهدٍ يتسمُ بالدقةِ والإبداع.
يفتحُ تقويمُ المحتوى آفاقًا رحبةً لاستكشافِ ما خفيَ من الثغراتِ في بنى المعرفة، ويضعُ اليدَ على مواطنِ التكرارِ التي قد تُثقلُ كاهلَ العمليةِ التعليميةِ دون طائل، مِمَّا يمهدُ الطريقَ لتوسعةِ دائرةِ فرصِ الابتكارِ في هندسةِ وتصميمِ الأنشطةِ الرئيسة المرتبطةِ بأهدافِ فحوى المادةِ المتعلمةِ ورسالتِها الأسمى، ويتحققُ هذا النضجُ المعرفيُّ عبر منظومةٍ متكاملةٍ من الرقابةِ الواعيةِ التي لا تنفكُ عن مراجعةِ الخبراءِ واستنطاقِ رؤاهم الرصينة، والاستئناسِ باستبياناتِ الطلابِ بوصفِهم غايةَ العملِ ومرآةَ أثرِه، ناهيك عن إجراءِ تحليلٍ مقارنٍ بالمقرراتِ المماثلةِ لضمانِ التنافسيةِ، والاسترشادِ بتقاريرِ التحديثِ العلميِّ التي تضمنُ بقاءَ المحتوى غضًّا طريًّا يواكبُ تدفقَ المعرفةِ العالمي، ليتشكلَ بذلك محتوىً تعليميٌّ يبني العقلَ ويُبهرُ الوجدان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.