تعد الرنجة أيقونة المائدة المصرية في الأعياد، لكن خلف هذا اللون الذهبي البراق تكمن دورة تصنيعية معقدة تتطلب دقة متناهية لضمان الجودة والأمان الصحي.
كشف الدكتور عاطف عشيبة، أستاذ تكنولوجيا اللحوم والأسماك بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، أن صناعة الرنجة في مصر تعتمد في المقام الأول على أسماك "الهرنج" المستوردة، والتي تمر برحلة علمية تبدأ من "التجميد" وتنتهي بـ"التدخين".
تبدأ الدورة التصنيعية بمرحلة "الصهر الجزئي" للأسماك المجمدة، وهي خطوة تمهيدية لمرحلة "التمليح الجاف". وفي هذه المرحلة، توضع الأسماك في براميل خشبية أو بلاستيكية مخصصة للأغذية، حيث ترص في طبقات متبادلة مع الملح الخشن لمدة تصل إلى 48 ساعة، و هذا التوزيع المتساوي للملح ليس فقط لمنح الطعم، بل هو وسيلة تقنية لسحب الرطوبة من أنسجة اللحم، مما يساهم في إطالة عمرها الافتراضي ومنع النشاط الميكروبي الأولي.
وعقب انتهاء التمليح، تغسل الأسماك بعناية للتخلص من بقايا الملح السطحي وتجفف جزئياً، لتبدأ "المرحلة الذهبية" وهي التدخين.
و يوضح عشيبة أن التميز في هذه المرحلة يعتمد على نوع الخشب المستخدم، حيث تحرق نشارة أخشاب صلبة، وأبرزها "خشب الزان"، داخل غرف محكمة الغلق، و يتغلغل هذا الدخان في الأنسجة ليمنحها النكهة المدخنة واللون الذهبي الجذاب.
ويفرق الخبراء هنا بين "التدخين البارد" الذي يتم عند درجة حرارة 30 مئوية، و"التدخين الساخن" عند 80 مئوية، وهو ما يحدد القوام النهائي للمنتج، مما يجعل عملية التصنيع مزيجاً بين العلم الدقيق والفن الحرفي الذي يتوارثه أصحاب المصانع المعتمدة.