تلقيت قرار السيد النائب العام بحظر النشر في عدد من القضايا الجنائية التي شغلت الرأي العام بالكثير من الراحة. فبعد المشهد الصادم والحزين في الإسكندرية الذي تابعناه جميعًا، وما تلاه ـ كالعادة ـ من صخب كنا في أمس الحاجة لوضع حد ـ ولو مؤقتًا ـ لفوضى النشر والجدال حول كل قضية تتحول إلى "ترند". لكن سرعان ما وجدت نفسي أفكر: ماذا عن المساحات التي لا تصلها هذه القرارات بسهولة؟ هذا القرار يسري على جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، والصحف القومية والحزبية، المحلية والأجنبية، وكذلك المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وذلك لحين صدور قرارات نهائية في تلك القضايا. ولكن ماذا عن تلك القنوات على يوتيوب التي لا تعترف بأية قواعد مهنية ولا أخلاقية أو إنسانية، وترى في المأساة فقط عداد المشاهدات؟
في كل مرة أفتح فيها يوتيوب وأبحث عن قضية شغلت الرأي العام، أجد نفسي أمام مشهد متكرر شديد الاستفزاز: عناوين صفراء تتبارى في الابتذال. الكل يكشف "حصريًا" "مفاجأة صادمة" في القضية الفلانية، ويكشف "لأول مرة القاتل الحقيقي" في قضية أخرى، ويظهر حصريًا شاهد يتحدث لأول مرة، ليس أمام جهات التحقيق، وإنما عبر قناة على يوتيوب!
الجميع يصرخ بانفعال مصطنع، ويتوعد المجرم الحقيقي ـ الذي يبدو أنه وحده من يعرفه ـ يرددون عبارات موحية بأنهم يعرفون أكثر مما يفصحون عنه، ويهددون ـ إلى حد الابتزاز ـ أطرافًا ليعلنوا الحقيقة، بل وأحيانًا يصل الأمر إلى حد تحديد مهلة إذا لم يتحدث الطرف الفلاني خلالها فإنهم سيضطرون للحديث!
كل صباح، يتنقلون كذباب الجثث الأزرق من بيت إلى بيت، ومن جنازة إلى أخرى، لا يتركونها إلا حين تظهر جريمة جديدة، فينتقلون فورًا إلى الجثة الجديدة. يستنطقون أهالي الضحايا وينتهكون ستر حياتهم، يستغلون هشاشتهم وصدمتهم في هذه اللحظات العصيبة أملاً في الحصول على عنوان صادم يجذب المزيد من المشاهدات. فضلاً عن الأشخاص الذين ينتحلون صفات غير حقيقية، فهذه تظهر زاعمة أنها عمة الضحية، وذلك يدعي أنه خال المتهمة، بل وصل الأمر في قضية عروس بورسعيد على سبيل المثال، إلى تداول تسجيلات صوتية منسوبة لامرأة تزعم أنها كانت نزيلة ذات المحبس مع المتهمة وخرجت لتكشف للرأي العام ما قالته لها المتهمة، وهو ما انطوى على اتهامات مقززة تمس الشرف للعديد من الأطراف!
انزعاجي يتضاعف حين ينتهي محتوى أصحاب هذه القنوات، بعد أن تحدث المحامون والأهالي والأقارب وحتى الأشخاص المنتحلون فلا يتبقى أمامهم إلا فتح المجال لمداخلات المتابعين الذين يتقمص كل منهم دور شارلوك هولمز ويدلي بدلوه في القضية ويخمن ويتهم ويشكك في التحقيقات وفي أقوال الشهود بدون أي ضوابط لا أخلاقية ولا مهنية.
لهذا السبب تحديدًا، بدا لي قرار حظر النشر في هذه اللحظة مهمًا، ليس فقط كإجراء قانوني منضبط يحمي التحقيقات وكذلك يحمي المجتمع من الفوضى المصاحبة لكل تريند؛ وإنما لأنه يذكرنا بأنه في مثل هذه الأوقات المؤلمة يجب أن نتوقف لحظة، ونعيد التفكير في الطريقة التي نستهلك بها هذه القصص، هل ننظر إليها كما هي فعلاً مأساة إنسانية وابتلاء كبير تمر به أسرة كاملة ودائرة اجتماعية كاملة، أم ننظر لها كمحتوى مثير أو كعرض "تلفزيون واقع" نتابعه لتمضية الوقت دون تفكير حقيقي في الحدث؟
في النهاية، لا أعرف إن كان من الممكن ضبط كل فوضى "الذباب الأزرق" على يوتيوب بالكامل. لكنني أظن أن البداية لا تكون فقط بالقوانين، بل بالوعي. بأن ندرك الفرق بين أن نتابع قضية، وأن نشارك في نهش الضحية وكل تفاصيل حياتها. والفرق بين حق المعرفة من أجل العدالة واستقرار المجتمع وبين "التسلية" بمآسي الآخرين وآلامهم.