عادل السنهورى

الدور المصري ...ودبلوماسية الواقعية

الأحد، 12 أبريل 2026 09:37 ص


معارك الدبلوماسية تبدو في كثير من الأحيان والعديد من المرات أشد قوة وأكثر تأثيرا من معارك السلاح. والحروب الكبرى تسجل دورا ضروريا وحيويا وفاعلا  للدبلوماسية الخارجية بالتوازي مع حرب البنادق والرصاص والمدافع وبرزت أسماء لوزراء خارجية ودبلوماسيين دوليين على خارطة الدبلوماسية الدولية منذ أكثر من 70 عاما مازالت الذاكرة العالمية تحفظ لها الدور الذي قامت به في لنزع فتيل أزمات ووقف تصعيد حروب دولية ولازلنا نذكر جورج مارشال ودالاس وروجرز وكيسنجر وفانس، وفالدهايم وداج همرشولد، وسعود الفيصل والأخضر الابراهيمي ومحمود فوزي ومحمد حسن الزيات ومحمود رياض ومراد غالب واسماعيل فهمي وعمرو موسى ونبيل فهمي..والآن وزير الخارجية المصري الهمام بدر عبد العاطي ابن مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة.

في حرب الـ40 يوما الأخيرة التي دارت بين الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل من جانب وايران من جانب آخر برز الدور الريادي لمصر ولدبلوماسيتها الرئاسية والخارجية لوقف الحرب والدمار واستنزاف موارد المنطقة ومنع انزلاق دول الشرق الأوسط الى حرب تدفع الى الفوضى والثمن الباهظ الذي ستتكبده دول المنطقة وخاصة دول الخليج العربي وباقي دول المنطقة وتهديد أمنها القومي ومحاولات فرض مخططات لاعادة هندسة الشرق الأوسط من جديد لتحقيق مصالح أعداء الأمة وأطماعها.
ماقامت به مصر لم يكن قابلا للمزايدة والتشكيك فيه، فالجهود الدبلوماسية المصرية المعلنة وغير المعلنة كانت- ومازالت- محل تقدير دولي وعربي وأشادت عواصم العالم بالدور الريادي المصري كعنصر أساسي في التوصل لاتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ووصفته واشنطن بأنه حجر الزاوية في نجاح التوصل الى المفاوضات. الجارية حاليا في باكستان في اطار رباعية القاهرة وانقرة والرياض واسلام اباد وهي الرباعية التي أزعجت اسرائيل ولاسيما وجود مصر فيها وما يحققه من ثقة كافة الأطراف في الوساطة المصرية الجادة والنزيهة والشريفة.


المؤسسات الدولية ثمنت الدور المصري وجهودها الدبلوماسية بالزيارات والاتصالات الرئاسية والخارجية والتي لم تتوقف لحظة في سبيل نزع فتيل الأزمة وتجنيب المنطقة الانفجار العسكري والدمار الذي يمكن أن يلحق بالجميع .  فالاتحاد الأوروبي -على سبيل المثال- ثمن الحكمة البالغة للقيادة السياسية المصرية في إدارة الأزمات المعقدة وصياغة اتفاق تهدئة تاريخي أعاد الاستقرار للشرق الأوسط، فيما أكدت وكالة "رويترز" أن التحرك المصري أنقذ أسواق الطاقة العالمية من انهيار وشيك.
واتفقت الصحافة العالمية على أن نجاح القاهرة في هذه المهمة الدبلوماسية يبرهن مجددًا على قوتها الناعمة وقدرتها الفريدة على التواصل مع كافة الأطراف الدولية لتحقيق السلام المستدام.

منذ اليوم الأول وحتى بداية المفاوضات بين ايران والولايات المتحدة تحملت مصر الكثير من الشطط والتشكيك في دورها ومحاولة الوقيعة بينها وبين أشقاءها في دول الخليج. ومع ذلك وبهدوء وثقة وحكمة أعلنت مصر انطلاقا من سياساتها الخارجية الثابتة وومبادئها الواضحة بأن أمن الخليج جزءا لا يتجزء من الأمن القومي المصري ونددت واستنكرت بشدة الاعتداءات الايرانية على دول الخليج.


تزامن ذلك مع الجولة السريعة للرئيس عبد الفتاح السيسي الى السعودية وقطر والامارات في رسالة تضامن واضحة وجلية مع الأشقاء في دول الخليج ووقوف مصر الى جانبها ، والزيارات والجولات المكثفة والاتصالات المستمرة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الى عدة عواصم خليجية وباكستان والتي حمل فيها رسالة مصرية بضرورة تدارك الموقف وعدم حدوث الانفجار الشامل في المنطقة.في الوقت ذاته كانت هناك أدوار ومجهودات مصرية آخرى بعيدا عن الأضواء وأصوات الانفجارات لفتح قنوات تواصل بين ايران ورباعية الوساطة من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة آخرى. ففي الوقت الذي حرصت فيه مصر على إدانة الضربات الإيرانية بوضوح، حافظت في الوقت ذاته وبدلوماسية فائقة وبارعة على شعرة معاوية، للابقاء على قنوات تواصل واتصال مفتوحة مع المسؤولين في طهران لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة. وبرزت مصر كطرف فاعل خلف الكواليس في جهود احتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أسهمت تحركاتها في تهيئة الأجواء للتوصل إلى وقف إطلاق نار. سخرت مصر نفوذها لدى صناع القرار في المنطقة ومنها ايران وخاصة "الحرس الثوري" الإيراني، الذي أصبح يتمتع بسلطة مطلقة على اتخاذ القرارات حاسمة بشأن الحرب.


القاهرة وحدها كانت الأقدر والأجدر على التواصل مع كافة الأطراف التي رحبت ووثقت في الدور المصري للتماس مع خطوط النار السياسية رغم حملات التشكيك ومحاولات بث الفتنة بزعم عدم انخراطها "عسكريا" في الحرب على ايران..!
لم يقتصر الدور المصري على الجهود والتحركات الدبلوماسية المكوكية فقد أعادت مصر طرح مبادرتها الاستراتيجية لتشكيل قوة عربية مشتركة لحماية الأمن القومي العربي"، وأعلنت صراحة على لسان الدكتور بدر عبد العاطي أن مصر لن تقبل بفرض أية ترتيبات إقليمية من أطراف خارجية، انطلاقاً من إيمانها بأن أمن الأشقاء جزء لا يتجزأ من أمنها القومي"، وأن الهدف من هذه الحرب معروف وتعيه مصر جيدا وتقاوم لمنع حدوثه.


على أرض الواقع. فالمخاوف من احداث انقلاب في خريطة المنطقة السياسية والجغرافية هو ما يدفع مصر الى التصدي بكل ما تملكه من قوة دبلوماسية وتأثير  للتحذير منه، فليس من المصلحة المصرية والعربية استمرار الحرب واختفاء ايران من المشهد بما يعني اعادة رسم خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة حسب الأطماع المعلنة من تل أبيب وواشنطن. 


طريق الدبلوماسية الواقعية والحاسمة والواضحة هو ما اختارته مصر في الحرب الحالية لأنها ببساطة لن تشارك في تحقيق مخطط ضد مصالحها العليا وأمنها القومي .ومن هذا المنطلق جاءت التحركات المصرية لاحتواء الصراع، وعدم توسعته أو تصعيده بتورط دول الخليج المباشر فى أتونه. ودعت في جولاتها واتصالاتها تصفية كل أوجه التباين والاختلاف فى الرؤى الجوهرية لأمن الإقليم، بعد أن تبين أن الاعتماد على الخارج" لا يسمن ولا يغنى من جوع، ولا يقضى حاجة للأمن". ومن هنا جاءت الدعوة الى تشكيل قوة عربية مشتركة لاعادة صياغة مفهوم الأمن الجماعي في المنطقة.


ما أسفرت عنه الحرب التي لم تنته حتى الآن يدعو الى ضرورة التفكير بجدية في اعادة ترتيب الأولويات في العلاقات الدولية وفك الارتباط بمشاريع توسعية لا يهمها في النهاية سوى التمدد وفرض مخططات النفوذ والسيطرة غير معنية بأمن واستقرار الدول العربية وهنا تتجلى الرؤية والمبادرة المصرية هي طوق النجاة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة