مثلت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أزمة عالمية، وتداعيات تتطلب أن تقوم إيران بمراجعة شاملة لسياساتها، فأى دولة فى العالم لا تستطيع أن تعيش فى عداء مع جيرانها، فمنذ الثورة الإسلامية فى إيران 1979 وإعلان نهج تصدير الثورة، أصبحت إيران على عداء مع جيرانها فى الضفة الأخرى من الخليج العربي، وهو ما جعل هؤلاء الجيران يأخذون بكل الاحتياطات والوسائل للحماية، وهذا ما استدعى وجود قواعد أجنبية رأت إيران أنها تهدد أمنها، وهنا فلولا سياسات تصدير الثورة لما كانت لهذه القواعد أن توجد، لكن أيضًا حتى فى عهد الشاه مثلت طموحات إيران تهديدًا لدول منطقة الخليج، وهى لم تسعَ حتى لحل مشكلة الجزر الإماراتية المحتلة، لذا كانت المطالبة بحل مشكلتها حاضرة فى كل القمم العربية، فهل حان الوقت أن تكون إيران جارًا قويًا؟ نعم، نحن لا نريد إيران ضعيفة، بل نريد قوتها قوةً مضافةً لقوة العرب، لا قوةً تهدد العرب ومصالحهم.
لقد كان للخلاف المذهبى زمنه، فهل حان الوقت ليصبح هذا الخلاف جزءًا من التاريخ؟ فاحترام الآخر وحريته أمرٌ لا بد أن يتفق عليه الجميع، لكن على الجانب الآخر فإن إطلاق حوار عربى إيرانى صريح صار مطلبًا لا مفر منه، فنحن العرب والإيرانيون بطبيعة الحال لن نغادر المنطقة، فهذه أوطاننا التى لن نتركها، وبيننا مشتركات تاريخية لا حصر لها، ومصالح لا حدود لها، بل إن التعاون فى صالحنا، وعليه فهل حان الوقت لتثبت إيران أنها حريصة على الجوار العربى الإيراني، بدءًا من إعلان عدم التدخل فى شؤون الدول العربية، والسعى إلى استقرار المنطقة الذى سيعنى الازدهار للجميع، ومن هذا المنطلق فقد حان الوقت لترفع إيران يدها عن العراق، الذى ضج فيه الناس من النفوذ والتحكم الإيرانى الصارخ، فالعراق بسبب هذا لم يقم حتى الآن ببناء جيشه ليعود قويًا، هذا الجيش الذى كان حائط صد حقيقيًا ضد إسرائيل، العدو الحقيقى لإيران كما أثبتت الحرب الأخيرة، فضلًا عن تضرر سنة العراق من التدخل الإيرانى فى العراق حتى باتت لديهم مرارة بسبب ذلك، بل إن الشائع لدى الجميع فى العراق، سنةً وشيعةً، أن الفساد المستشرى فيه هو برعاية إيرانية، فهل حان الوقت لإعادة بناء عراق قوى معاصر نعتز به؟
كل ما سبق يحتاج إلى سياسات تقوم على المصارحة والمراجعة، نعم هناك البعض فى مصر تعاطفوا مع إيران فى الحرب الأخيرة، لأن كل ما يؤلم إسرائيل له شعبية فى مصر، لكن على الجانب الآخر كل ما يؤلم دول الخليج العربى يؤلم المصريين لأسباب يطول شرحها، ولا تقف عند مجرد أن آلاف المصريين يعملون فى الخليج العربي، فهذا الخليج وأهله هم جزيرة العرب التى لها مع مصر علاقات طويلة قديمة منذ عصور ما قبل التاريخ، ومصالح وطيدة لا يمكن هدمها، وأمن مصر يبدأ من الخليج العربي، وبالتالى مصر لا تستطيع إلا أن تكون فى صف الخليج العربي.
هذا الارتباك الذى أحدثته الحرب الأخيرة أتى من طرفين: طرف من خارج المنطقة، وهو الولايات المتحدة، الذى يستغل كل الثغرات لتحقيق مصالحه ولو على حساب دول المنطقة، وكيان عدو زُرع ليحقق مصالح داعميه، وعليه فهما غريبان عنا، غريبان حتى عن إيران، وعلى الجميع، العرب وإيران، البحث عن المشترك، هذا المشترك الذى يجعل من المهم ضم دول مثل إيران وتركيا وباكستان كأعضاء مراقبين فى جامعة الدول العربية، وهذا ما يصب فى مصلحة الجميع، وهذا ما يعنى ضرورة ضم دول أخرى كأعضاء مراقبين لمصلحة الجامعة العربية، وهى تشاد والنيجر ومالي، مع التطوير للعلاقة مع هذه الدول ليتحول هذا لتعاون اقتصادى واسع، وبالتالى تحالف سياسى وعسكرى مستقبلًا.
وفى النهاية، من منا لا يحب الشعر الإيراني، وخاصة الشاعر حافظ شيرازي، ومن منا لا يقدّر الفن والعمارة الإيرانية، خاصة مدينة أصفهان، ومن منا لا يقدّر روعة السجاد الشيرازي؟ فنحن نقدر إيران، فهل حان الوقت لكى تقدر إيران جيرانها، وتتعامل معهم بوزنهم الحقيقي، وتعيد اكتشافهم؟ فالسعودية كدولة قدمت الكثير عبر عصور الحضارة الإسلامية، وحان الوقت لكى نقول إن هذا لم يُقدَّر بما يستحقه، وهذا يعنى أننا فى أمسّ الحاجة لإعادة اكتشاف الجار على الضفة الأخرى.