ما جرى منذ نهاية فبراير 2026، حتى الآن، من مواجهات - ولا يزال مستمرا - أكبر من أن يتحول إلى مباراة فى الكرة يتنابز فيها المتفرجون والألتراس بالألفاظ، أو هى منافسة بين جماهير الفضائيات المتنافسة، بل هى حرب تتضمن الكثير من التحولات، وسوف تترك أثرها على الاقتصاد والسياسة وعلاقات وتوازنات القوة فى المنطقة لفترات مقبلة، وقلت من قبل إن بعض السادة المتفرجين ومشجعى كرة الحرب وألتراس الادعاءات، بحاجة لأن يلتقطوا أنفاسهم ويغادروا المعلومات التى يتلقونها من «صفحات الهبد» بمواقع التواصل، ليعرفوا أن ما جرى - وما زال يجرى - حربٌ بكل ما تحمله من خسائر وضحايا، ويحتاج إلى قراءة ومحاولة فهم للتفاصيل التى تحيط بتلك الحرب، فهى أيضا ضمن الصراعات والتحولات التى تدور فى المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023، ولا يمكن فصلها عن الشهور السابقة.
طبيعى أن تختلف زوايا النظر إلى هذه الجولات، التى شهدت مفاجآت وصراعات، وأطاحت ببعض الصور الثابتة والقيادات، وقد يرى البعض أن القيادات التى اختفت من إيران بالاغتيال فى الأيام الأولى للحرب، تم وضع قيادات مكانها، لكن بالطبع فإن غياب قيادات استمر بعضهم منذ الثمانينيات أو نهاية السبعينيات، أثر وسوف تستمر تأثيراته خلال الفترات المقبلة، وتنعكس فى السياسة والأفكار التى تدير إيران خلال السنوات المقبلة، والأمر ذاته فى ما يتعلق باغتيالات فى صفوف حزب الله، حيث تمت إزالة عدد من القيادات خلال الشهور بعد 7 أكتوبر، كل هذا يشير إلى أننا أمام قيادات جديدة، وأن التغيير تم قسرا، وكان يمكن أن يجد قيادات الصف الثانى أنفسهم فى الصفوف الأولى، ولهؤلاء تصورات وآراء قد تتفق أو تختلف مع القيادات السابقة، بجانب أن الاضطرابات والمظاهرات التى اندلعت قبل الحرب - ارتباطا بالتضخم والأزمات الاقتصادية - تعكس وجود اتجاهات وتيارات أزاحتها الحرب مؤقتا، لكن هؤلاء سوف يعودون، ومن المؤكد أنهم يمثلون تيارا داخل الدولة الإيرانية.
الشاهد أن هناك تغييرا تم فى الصفَّين الأول والثانى، بصرف النظر عن طريقة حدوثه، لكنه تغيير سوف ينعكس على المستقبل، سواء تطرفا فى حال كانت القيادات الجديدة أكثر تطرفا، أو اعتدالا لو كان هؤلاء ينتمون إلى التيار الإصلاحى، وهو تيار موجود داخل إيران، وتولى لفترة مع الرئيس محمد خاتمى قبل أن تتم الإطاحة به من قبل المتطرفين، وكانت فرصة كبيرة ضاعت وسط تيار الحناجر، وخلال الفترة التالية للحرب، سوف تتضح الحقيقة فى ما يتعلق بالاقتصاد والتضخم والأوضاع المالية والبنية الأساسية، وحجم ما تم تدميره فى الحرب، ومعروف أن الحروب تغطى كثيرا على العيوب التى تظهر فى نظام الحكم، لأن الجمهور ينخرط فى الدفاع وينسى التناقضات أو حتى المطالب، لكن بعد الحرب تتفتح الأسئلة وتظهر الحقائق الاقتصادية والسياسية.
هذا عن إيران، أمام عن القوى التابعة لها، مثل حزب الله أو الحوثيين، وبالرغم من أن إيران تتمسك بهؤلاء الوكلاء، فإن الواقع يفرض تغييرا على هذه التوابع، لأن الأمر يصطدم مع الدولة اللبنانية، وأيضا مع مصالح اليمن، وبالتالى فمن الطبيعى أن تتغير طبيعة هذه القوى، اختيارا أو اضطرارا، وحتى دول أوروبا والعالم، والتى ترفض الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، لا يمكن أن تقبل باستمرار وجود وكلاء لدول أخرى، وبالتالى فإن الواقع سوف يفرض وضعا جديدا، حيث لا يمكن الإبقاء على الأوضاع السابقة لما قبل 7 أكتوبر، ولا يمكن لأى تسوية قادمة أن تُبقى على وكلاء لدول أجنبية على أراضى دول أخرى، مع اختلاف نظرات اللبنانيين للحزب الآن، حيث هو لا يحارب عن لبنان كما فعل خلال المراحل السابقة، بل يحارب مع دولة أخرى، وهذا لا علاقة له بإدانة العدوان الإسرائيلى، لكن التسويات القادمة سوف تغير من هذا الوضع.
وما ينطبق على إيران ولبنان، ينطبق على الأوضاع الإقليمية، ومصير القواعد الأمريكية وتوازنات بناء نظام إقليمى، والتى كشفت عن ضعف وتناقضات وعلاقات صعبة، وربما يكون الوقت مناسبا لإعادة بناء نظام إقليمى يراعى مصالح وتوازنات القوى، وهو نظام قد يكون لصالح دول المنطقة، لكنه لن يكون لصالح القوى الأخرى سواء الولايات المتحدة أو إسرائيل وبقية الدول الكبرى، لكن الوضع المقبل لن يكون هو الوضع ما قبل 7 أكتوبر ولا 28 فبراير.

إيران ولبنان وإسرائيل