الحياة ليست لها وجهٌ واحد، ولا توجد حقيقةٌ واحدة، ورغم أن لكل إنسان حكايته الخاصة، فإن وجوه تلك الحكايات تتبدّل من مرآة إلى أخرى، ومن زاوية نظر إلى أخرى، ومن هذا المنطلق يمكننا النظر إلى الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح.
منذ عتبة العنوان، يضعنا الفيلم أمام تصور عاطفي مشحون بمعاني الحب والفقد؛ إذ يتخيّل المتلقي أنه بصدد عمل يستعيد فيه المخرج سيرة والدته التي رحلت قبل عشرة أعوام، عبر استحضار مشاهد من أيامها الأخيرة، غير أن هذا التصور سرعان ما يتبدّل مع التوغّل في الأحداث؛ إذ يأخذنا نمير إلى صورة بانورامية داخل أسرته الصغيرة: الأم «سهام»، والأب «وجيه»، والخالة «عنايات». وفي الوقت نفسه، ينجح في العبور من الخاص—حكاية عائلته—إلى العام، بحيث يصبح المشاهد جزءًا من السردية السينمائية، ويجد نفسه أمام تساؤلات وجودية مفتوحة، لا تسعى بالضرورة إلى إجابات بقدر ما تستدعي التأمل.
ينطلق الفيلم من وعدٍ قديم قطعه المخرج لوالدته قبل رحيلها، بأن يكون عمله التالي عنها، لكنها تغيب قبل أن ترى هذا الوعد وقد تحقق، أو أن تشاهد مولوده الفني الثاني، ومن هنا، يبدأ الفيلم من نقطة الفقد، ليس بوصفها حدثًا، بل كحالة ممتدة تُشكّل بنية العمل.
يحضر تعدد الأصوات داخل الفيلم—وهو سمة مألوفة في هذا النوع من الأفلام—لكن نمير لا يكتفي بتجاور الأصوات، بل يذهب إلى تعدد الروايات ذاتها. فالحكاية الواحدة داخل الأسرة تمتلك أكثر من وجه، وأكثر من صيغة للحقيقة، وربما لم تكن "الحقيقة" أصلًا غايته النهائية؛ إذ لا يبدو أنه يسعَ إلى إثبات معنى واحد، بقدر ما يؤكد على هذا التعدد بوصفه جوهر التجربة الإنسانية نفسها، ومع ذلك، يظل هذا التعدد، في النهاية، محكومًا بزاوية نظر نمير نفسه؛ إذ تبقى الكاميرا، منحازة إلى صوته، حتى وهي تفسح المجال لأصوات أخرى.
طوال السردية السينمائية، لا يتبنى نمير عبد المسيح صورةً مثالية عن أسرته—لا بوصفها حالة خاصة، ولا بوصفها نموذجًا يُسقط على المجتمع ككل—بل يسعى إلى الغوص في أغوار النفس البشرية. فالحكاية التي قد تبدو لنا الآن مستقرة ومكتملة، ربما تحمل داخلها وجوهًا متعددة. فقصة ارتباط «سهام» و«وجيه»، التي يرويها الأب دائمًا من منظور رومانسي، تنكشف لاحقًا عن وجه آخر مشبع بالفقد؛ إذ فقدت سهام حبيبًا قديمًا، وقررت—هروبًا من تلك التجربة—أن تتزوج أول شخص يقابلها، وكان وجيه، هكذا، لا يبدو الاختيار رومانسيًا في جوهره، بل نتيجة فراغ عاطفي سابق. ومن هنا تتأكد الفكرة: الحكاية الواحدة لا تبقى واحدة فعلًا، بل تتعدد بتعدد روايات أصحابها.
لا يقتصر الفيلم على الفقد كثيمة مركزية، بل تتسلل الغربة أيضًا كعنصر بنيوي داخل العمل، تبدأ هذه الغربة من الأب والأم، اللذين حملا مرارة السجن والفراق في الوطن، واتجها إلى باريس بحثًا عن مستقبل وفرص أكبر. وتمتد بعد ذلك إلى نمير نفسه، الذي جاءت به والدته رضيعًا إلى خالته «عنايات»، وتركته ليعيش معها عامين قبل أن تعود وتأخذه من جديد. ربما لم تتشكل لدى الطفل آنذاك ملامح وعيٍ كامل بهذه القطيعة، لكن أثرها يبدو حاضرًا في ارتباطه اللاحق بخالته.
وهنا يظهر وجه آخر للحكاية عبر «عنايات»، التي تمثل حالة مصرية خالصة، في مقابل انضباط يبدو طاغيًا على «سهام» و«وجيه» المتأثرين بحياتهما في باريس. في حكايات الخالة، يمتزج الحس الفكاهي بمسحة حزن خفية؛ فهي قادرة على إضحاك المشاهد حتى وهي تتحدث عن الفقد، كأن الضحك ذاته يصبح وسيلة للتعايش معه.
تبدو «عنايات» واحدة من أكثر الشخصيات قدرة على اجتذاب تعاطف المشاهد؛ وحين نعلم برحيلها قبل أربعة أعوام، يتسلل إحساس بالفقد إلى المتلقي ذاته. كأن الصورة التي يرسمها نمير لخالته—الأم الثانية، المعلّقة بين الضحك والحزن—تتجاوز حضورها الفيزيائي، وتستمر كأثر شعوري لا ينتهي.
في معالجته البصرية، لا يُفرِط نمير في تقديم «سهام» و«وجيه» و«عنايات» أمام الكاميرا، حتى لا يتحول الفيلم إلى جلسة اعترافات عائلية مباشرة. كما تجنب اللجوء إلى مشاهد تمثيلية قد تفرض انفعالًا مصطنعًا على المتلقي. بدلًا من ذلك، استعان بمقاطع من أفلام يوسف شاهين، وتحديدًا «عودة الابن الضال» و«فجر يوم جديد»، لخلق صدى بصري وسردي يربط تجربته الشخصية بسياق سينمائي أوسع.
ومن هنا تبدو رؤية نمير أكثر اكتمالًا.. الحكايات قد تتشابه، لكن لكل فرد سرديته الخاصة التي لا يمكن اختزالها، وربما يلمّح أيضًا إلى تقاطع تجربته مع تجربة شاهين، خصوصًا في التوتر القائم بين الجذور المصرية والتكوين الثقافي الفرنسي.
بشكل عام، ورغم تبنّي الفيلم بناءً دائريًا، فإنه يتحرك في مسار تصاعدي على مستوى التكوين، فالحكاية تتكرر في شكل دائري على ألسنة الشخصيات، وسط تساؤلات وتأملات نمير نفسه التي لا يخفيها طوال الفيلم، لكنها تتكثف تدريجيًا، بما يمنح السرد طابعًا تصاعديًا واضحًا، وعلى هذا النحو، لا يفقد العمل وتيرته، ولا يتشتت المشاهد بين حكايات تبدو منفصلة، بل تتراكم داخله بوصفها طبقات لمعنى واحد يتشكل ببطء.
في النهاية، يقدّم نمير عبد المسيح تجربة سينمائية تتسم بقدر كبير من الصدق والرهافة، تمزج بين مشاعر الفقد والحب، دون أن تسقط في المباشرة أو الاستدرار العاطفي، ولا يسعى إلى تقديم إجابات حاسمة بقدر ما يترك مساحات مفتوحة للتأمل؛ حيث تتجاور الحكايات دون أن تُحسم، وتظل الحقيقة قابلة لإعادة السرد من جديد. هكذا، يبدو الفيلم أقرب إلى محاولة لفهم الذاكرة لا استعادتها، ولإعادة ترتيب المشاعر لا تثبيتها، حيث يظل الفقد حاضرًا، لكن ليس بوصفه نهاية، بل كجزء من حكاية مستمرة.