على وقع تصاعد العمليات العسكرية وتعدد بؤر التوتر في السودان، تتكشف ملامح مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع، تمتد من إقليم النيل الأزرق إلى غرب كردفان وشمال دارفور، حيث تتقاطع المواجهات الميدانية مع أزمات إنسانية متفاقمة.
وبين ضربات تستهدف قدرات الطيران المسيّر لقوات الدعم السريع، وعمليات نزوح واسعة، وتوترات تنذر بصدامات داخل مناطق مكتظة بالمدنيين، يواجه آلاف السودانيين واقعاً أكثر هشاشة، في ظل غياب أفق واضح لاحتواء التصعيد أو حماية المدنيين من تداعياته.
سلطات النيل الأزرق تجلي نحو 3 آلاف من نازحي الكرمك
في ظل تصاعد العمليات العسكرية بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، أعلنت السلطات، إجلاء نحو 3 آلاف من نازحي منطقة الكُرمك إلى مدينة الدمازين، بعد تدهور الأوضاع الأمنية في محيط مخيم مؤقت كانوا يقيمون فيه قرب بلدة سالي.
ويأتي قرار الإجلاء بالتزامن مع انتقال المواجهات بين الجيش السوداني وتحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو إلى مناطق قريبة من سالي، التي تبعد نحو 100 كيلومتر جنوب الدمازين، ما دفع السلطات إلى التحرك لتأمين المدنيين.
ونقل “سودان تربيون” عن مصدر مطلع أن النازحين كانوا يقيمون في مخيم بمنطقة قبردة، قبل أن تتدهور الأوضاع الأمنية نتيجة اتساع رقعة الاشتباكات في المنطقة.
ميدانياً، أعلن الجيش السوداني أن قوات الفرقة الرابعة مشاة في الدمازين تمكنت من صد هجوم لقوات الدعم السريع على محور سالي، مؤكداً إلحاق خسائر كبيرة بها في الأرواح والعتاد.
وأكدت قيادة الفرقة أن الوضع الأمني في الإقليم لا يزال تحت السيطرة، مشددة على استمرار التنسيق بين القوات النظامية لحسم القتال.
ويشهد إقليم النيل الأزرق تصعيداً ملحوظاً منذ منتصف مارس، مع هجمات ينفذها تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال للتوغل داخل الإقليم، حيث تمكن خلال الفترة الأخيرة من السيطرة على بلدة الكُرمك القريبة من الحدود الإثيوبية، وسط اتهامات موجهة إلى أديس أبابا بتسهيل تلك التحركات.
الجيش السوداني يستهدف منظومة تشغيل وإطلاق طائرات مسيرة للدعم السريع
كشفت مصادر عسكرية عن تنفيذ القوات المسلحة السودانية عملية نوعية استهدفت منظومة تشغيل وإطلاق طائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع في محيط مدينة الفولة بولاية غرب كردفان، ما أسفر عن تدميرها بالكامل.
وأفادت المصادر بأن الضربة أدت إلى مقتل كامل طاقم التشغيل، بينهم أربعة أجانب كانوا يعملون ضمن المنظومة، دون الإفصاح عن جنسياتهم.
وبحسب المعلومات، تمثل هذه العملية ضربة جديدة لقدرات قوات الدعم السريع في مجال الطيران المسيّر، لا سيما في المناطق الغربية التي تُستخدم كنقاط انطلاق لعمليات هجومية.
تصاعد حدة التوتر الأمني فى بلدة طويلة ومخاوف من اندلاع مواجهات
تتصاعد حدة التوتر الأمني في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع مواجهات عسكرية بين قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وتجمع قوى تحرير السودان المتحالف مع قوات الدعم السريع، في منطقة تؤوي مئات الآلاف من النازحين.
وتُعد طويلة من أكبر مراكز النزوح في السودان، إذ تستقبل نحو 665 ألف شخص، معظمهم فرّوا من مدينة الفاشر، ما يثير مخاوف من تداعيات إنسانية كارثية في حال اندلاع أي اشتباكات داخل البلدة المكتظة بالمدنيين.
ميدانياً، أفادت مصادر محلية بأن التوترات تصاعدت مع وصول تعزيزات عسكرية من تجمع قوى تحرير السودان قادمة من منطقة خزان جديد، إلى جانب دخول عربتين قتاليتين تابعتين لقوات الدعم السريع إلى البلدة للمرة الأولى، في مؤشر على احتمالية تفجر الأوضاع.
في المقابل، عززت قوات حركة عبد الواحد محمد نور انتشارها داخل طويلة، وأقامت سواتر ترابية حول مركز الشرطة، في خطوة تعكس استعداداً لمواجهة محتملة.
وترجع جذور الأزمة، بحسب المصادر، إلى اتهامات وجهتها حركة نور لتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر بالتورط في انتشار المخدرات داخل البلدة، حيث أعلنت الشرطة العسكرية التابعة للحركة توقيف عشرات المتهمين بترويج وتعاطي المواد المخدرة داخل مواقع النزوح، مشيرة إلى أن معظمهم ينتمون إلى التجمع.
كما أشارت مصادر من داخل التجمع إلى أن التصعيد جاء على خلفية خلافات حول احتجاز أحد ضباطهم المتهم في قضية قتل، بعد محاولة من قوات نور لمنع إطلاق سراحه، ما دفعهم إلى إرسال تعزيزات إضافية إلى المنطقة.
وفي ظل هذه التطورات، يعيش النازحون أوضاعاً إنسانية صعبة، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، من مياه وغذاء ومأوى، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي صدام إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل كبير.
ودعا مسئولون أهليون ومواطنون طرفي النزاع إلى ضبط النفس وتغليب الحلول السلمية، محذرين من أن استمرار التصعيد قد يجر المنطقة إلى موجة جديدة من العنف تهدد حياة آلاف الأسر الباحثة عن الأمان في طويلة.