استطاع مسلسل “كان ياما كان” أن يفرض حضوره داخل المشهد الدرامي لهذا الموسم، لا بوصفه مجرد عمل عائلي تقليدي، بل كدراما اجتماعية أثارت نقاشًا واسعًا حول صورة الأسرة والعلاقات الزوجية في المجتمع المعاصر. فالعمل، الذي يدور حول أزمة منتصف العمر يختار إيقاعًا سرديًا هادئًا يبتعد عن الانفجارات الدرامية المعتادة، ويقترب أكثر من تشريح نفسي دقيق لتصدعات العلاقة الإنسانية حين يبهت الشغف ويتحول الاستقرار إلى رتابة.
ينتمي المسلسل بوضوح إلى ما يمكن تسميته مدرسة الأداء الهادئ؛ حيث لا تتشكل الدراما عبر الصراخ والمواجهات المباشرة، بل عبر مساحات الصمت الطويل، والنظرات المرتبكة، والإيماءات الدقيقة التي تختزن عواطف مكبوتة. وفي هذا السياق يقدم ماجد الكدواني أداءً متزنًا لشخصية الرجل الذي يجد نفسه فجأة أمام انهيار حياة اعتقد طويلًا أنها مستقرة. يشتغل الكدواني على التفاصيل الصغيرة: انحناءة جسد خفيفة، تردد في نبرة الصوت، أو نظرة شاردة تكشف هشاشة داخلية عميقة.
ومع ذلك، تبدو هذه الشخصية امتدادًا واضحًا لمسار أدائي اتخذه الكدواني في السنوات الأخيرة، خصوصًا في أعمال مثل “موضوع عائلي” وفيلم “فيها إيه يعني”، حيث يرسخ صورة الأب العاقل الهادئ الطيب الذي يحاول الحفاظ على توازن الأسرة وسط العواصف. ورغم النجاح الجماهيري لهذا النموذج، فإنه يطرح سؤالًا فنيًا مشروعًا حول حدود تكرار المنطقة الآمنة، خاصة أن الكدواني يمتلك رصيدًا ثريًا من القدرات الكوميدية والدرامية التي تؤهله لخوض مغامرات تمثيلية أكثر جرأة قد تفاجئ الجمهور بدل الاكتفاء بالعزف على النغمة التي أحبها المشاهدون.
أما يسرا اللوزي في دور المرأة التي تقرر فجأة أن تكسر صمت السنوات وتطلب الطلاق. غير أن حضورها يعيد إلى الأذهان إلى حد بعيد الشخصية التي قدمتها في مسلسل “لام شمسية” العام الماضي، إذ تظهر للعام الثاني على التوالي في هيئة المرأة المنهكة نفسيًا، الشاحبة، المثقلة بكسور داخلية لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها أمام العالم. ورغم النجاح الكبير الذي حققه ذلك العمل، فإن استمرار اللوزي في هذا القالب قد يحاصرها داخل دائرة أدائية ضيقة تحتاج إلى مغادرتها نحو مساحات أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
النظرة الأعمق في “كان ياما كان” لا تكمن في الأداء بقدر ما تتجلى في زاوية السرد ذاتها، فبينما تُمنح شخصية الرجل مساحات واسعة من التعاطف والتفسير، تُرسم الشخصيات النسائية غالبًا بقدر من القسوة أو الاختزال. الرجل هنا يخطئ لكننا نفهمه، أما المرأة فتخطئ فنحاكمها.
والمفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن هذا التحيز يأتي من كتابة نسائية، وهو ما يفتح باب سؤال ثقافي شديد الإزعاج: هل يمكن أن تصبح المرأة –عن وعي أو بدونه– شريكة في تكريس الصور النمطية التي تُحاكم بها النساء؟ فالنماذج الذكورية في العمل، حتى تلك التي يمكن إدراجها ضمن ما يُعرف دراميًا بنماذج “الـbad boys”، تحظى بمساحة من التبرير الإنساني؛ لكل منهم ماضٍ موجع أو منطق خاص يخفف من وطأة أفعاله، سواء تعلق الأمر بعلاقات ملتبسة، أو بزواج خفي، أو باستغلال عاطفي ومادي، أو حتى بالخيانة.
أما النساء، فيظهرن غالبًا داخل دوائر الاتهام: امرأة أنانية او متهورة، أخرى انتقامية، ثالثة ساذجة، ورابعة متطرفة في رفضها أو قبولها لفكرة الزواج. وكأن العمل يعيد إنتاج الحكاية القديمة ذاتها: الرجل ضحية تعاطفنا، والمرأة مصدر الفوضى.
حتى نموذج الأب الذي تتوقف حياته لأنه لم يرَ ابنته يومًا واحدًا يبدو مثالًا مثاليًا يكاد ينتمي إلى المخيلة الدرامية أكثر مما ينتمي إلى الواقع. ربما يوجد مثل هذا الأب في الحياة، لكنه نادر إلى حد يجعله أقرب إلى صورة شاعرية للأبوة المثالية منه إلى انعكاس دقيق لتجارب الحياة اليومية.
المسلسل ألقى حجرًا في مياه راكدة ونجح في إشعال نقاشات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وانقسم الجمهور بين متعاطف مع الرجل ومنتقد لصورة المرأة، في مؤشر واضح على أن العمل لامس جرحًا اجتماعيًا حقيقيًا. وحين تنجح الدراما في إثارة هذا القدر من الجدل، فإنها لا تقدم مجرد حكاية، بل تكشف خللًا عميقًا في الوعي الجمعي يحتاج إلى مكاشفة صريحة، لا إلى سرديات مريحة تعيد إنتاج الأحكام ذاتها في كل مرة.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026