لم يعد التوتر بين أفغانستان وباكستان مجرّد احتكاكٍ مزمن على أطراف “خطّ دوراند”، ولا سجالٍ سياسي حول عبورٍ غير شرعي أو تهريبٍ أو اشتباكاتٍ متقطعة بين حرس حدود.
ما جرى خلال الساعات والأيام الأخيرة نقل العلاقة إلى منطقةٍ أخطر: ضربات جوية وبَرّية باكستانية داخل العمق الأفغاني، بينها مواقع في كابول وقندهار وأقاليم شرقية وجنوبية، يقابلها ردّ أفغاني أعلن “عمليات واسعة” على مواقع باكستانية على طول الحدود—مع تبادلٍ لرواياتٍ متضاربة حول أعداد القتلى والأسرى وتدمير نقاطٍ عسكرية. وإذ وصف وزير الدفاع الباكستاني الوضع بأنه “حرب مفتوحة”، أظهرت الوقائع أن الطرفين دخلا حلقة تصعيد تتغذّى من انعدام الثقة ومن توازن ردعٍ هشّ لا تحكمه قواعد اشتباكٍ مستقرة، بل حساباتٌ داخلية وأمنية وإقليمية متشابكة.
أولاً: ماذا حدث ولماذا يُعدّ نوعياً؟
الضربات الأخيرة ليست مجرد امتدادٍ لضرباتٍ حدودية؛ الفارق هنا هو الرمزية والمكان والرسالة. عندما تُستهدف مواقع في كابول وقندهار—الأخيرة تُعدّ معقلاً سياسياً وأمنياً شديد الحساسية لحكومة طالبان—فذلك يعني أن باكستان انتقلت من سياسة “ملاحقة جماعات مسلّحة” إلى سياسة ضغطٍ مباشر على “سلطة حاكمة” تتهمها بإيواء أو غضّ الطرف عن خصومها المسلحين، وعلى رأسهم “تحريك طالبان باكستان” (TTP). هذه القفزة النوعية ترافقها معضلة: باكستان تملك تفوقاً جوياً ونارياً واضحاً، لكنها تواجه خصماً بارعاً في حرب العصابات، وخط تماس يمتد لنحو 2600 كيلومتر حيث يمكن لأي حادث موضعي أن يتحول إلى سلسلة ردود متتابعة يصعب احتواؤها.
على مستوى السرديات، كل طرف يقدّم نفسه باعتباره “يردّ” لا “يبادر”: إسلام آباد تقول إنها ردّت على هجمات عبر الحدود واستهدفت “معسكرات ومواقع” مرتبطة بمسلحين؛ وكابول تقول إن عملياتها جاءت رداً على ضرباتٍ باكستانية سابقة أوقعت ضحايا مدنيين، وتؤكد استعدادها للتفاوض بشرط “جدية” الطرف الآخر. في هذه النقطة بالذات يكمن خطر التصعيد: حين يصبح الردّ هو القاعدة، يُختزل النقاش السياسي إلى سباق “من يثبت أنه لم يتراجع”، وتتحول السياسة الخارجية إلى امتدادٍ لمعادلات الهيبة الداخلية.
ثانيا : جذور الأزمة: خمس طبقات تفسر الانفجار الحالي
1- طبقة الأمن الصلب: TTP الملاذات، ومعضلة السيادة
السبب الأكثر مباشرة الذي تدور حوله الاتهامات هو ملف “تحريك طالبان باكستان”. باكستان ترى أن تمدد هجمات TTP داخل أراضيها مرتبطٌ بوجود شبكات وملاذات في الجانب الأفغاني، بينما تنفي طالبان الأفغانية مسؤوليتها وتُحمّل باكستان أزماتها الداخلية. هذه المفارقة تخلق صداماً “سيادياً”: كابول تعتبر أي عملٍ عسكري داخل أفغانستان انتهاكاً لسيادتها، وإسلام آباد تعتبر عدم تفكيك الشبكات العابرة للحدود تهديداً وجودياً لأمنها القومي. وعندما تُستنفد أدوات الضغط الدبلوماسي، يغري التفوق العسكري الباكستاني باستخدام “الضربة الاستباقية”، لكن ذلك يدفع طالبان—بوصفها سلطة حاكمة—إلى ردّ يثبت أنها ليست حكومة تُضرب بلا كلفة.
2- طبقة الهوية والحدود: “خط دوراند” كجرح سياسي
“خط دوراند” ليس خطاً على الخريطة فقط؛ إنه خط فاصل بين سرديتين: باكستان تعدّه حدوداً دولية نهائية، بينما ظلّت شرائح أفغانية واسعة تاريخياً تشكك في شرعيته وترى أنه قسّم نسيجاً قبلياً–بشتونياً ممتداً. هذه الطبقة الهووية تجعل كل “سياج” أو “نقطة تفتيش” أو “تعديل مسار” قابلاً للانفجار؛ لأن الخلاف يتجاوز الأمن إلى معنى الدولة وحدودها الرمزية. وعندما تُرفع الكلفة السياسية للاعتراف الضمني بترتيبات الحدود، يصبح التوتر قابلاً لإعادة الإنتاج مع كل حادثة حتى لو تم احتواؤها أمنياً.
3- طبقة الاقتصاد والعبور: المعابر كأوردة حياة
الحدود هنا ليست جبهة فقط، بل شريان تجارة ومرور وسلاسل إمداد. إغلاق المعابر أو اضطرابها يضغط على اقتصادٍ أفغاني هشّ وعلى مناطق باكستانية حدودية تعتمد على التجارة النظامية وغير النظامية. تقارير حديثة أشارت إلى أن باكستان أغلقت معابر رئيسية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 في سياق التوترات المتصاعدة—وهو ما يجعل “أداة المعبر” جزءاً من صندوق الضغط السياسي. وفي لحظات التصعيد، يصبح تعطيل المعابر رسالةً سياسية بقدر ما هو إجراء أمني، لكنه عملياً يراكم سخطاً اجتماعياً على الطرفين، ويحوّل الأزمة إلى “اقتصاد غضب” يرفع احتمالات الانفجار التالي.
4- طبقة اللاجئين: الديموغرافيا كسلاح سياسي
منذ 2023 تسارعت في باكستان حملة واسعة ضد المهاجرين/اللاجئين الأفغان تحت مسمى “خطة إعادة الأجانب غير الشرعيين”، ثم اتسعت لاحقاً لتشمل فئات موثقة أيضاً، مع تحذيرات أممية من الترحيل القسري ومخاطر “الإعادة القسرية” إلى بيئة لا تستطيع استيعاب موجات العودة. هذا الملف ليس إنسانياً فقط؛ إنه سياسي–أمني: إسلام آباد تربطه بالهجمات وبالضغط الداخلي، وكابول تراه ورقة ابتزاز وتهديداً اجتماعياً واقتصادياً. ومع كل تصعيد عسكري، يزداد نزيف المخيمات والعودة القسرية، ويتسع “حقل التوتر” ليشمل ملايين الناس، ما يخلق احتكاكات جديدة على الحدود ويغذي سرديات العداء.
5- طبقة الإقليم: تشابك الجبهات وتعدد الوسطاء
الأزمة لا تجري في فراغ. وساطات إقليمية ظهرت في الموجات السابقة (قطر وتركيا والسعودية ذُكر دورها في تهدئة سابقة)، ومع التصعيد الحالي عاد الحديث عن جهود قطر، ودعوات روسية لوقف الهجمات والعودة للتفاوض. وفي خلفية المشهد تلوح حساسيات باكستان مع الهند، واتهامات في بعض التقارير بأن كابول تقترب من نيودلهي، ما يضخم هواجس “الجبهة الغربية” لدى باكستان. أي أن التوتر الأفغاني–الباكستاني يُقرأ في إسلام آباد ضمن معادلة أشمل: بلد نووي محاط بأزمات أمنية داخلية، وتوتر شرقي مزمن، وحدود غربية قابلة للاشتعال.
ثالثا : سوء الفهم الاستراتيجي: من “العمق الاستراتيجي” إلى “المستنقع”
جزء من قوة تفسير الأزمة يكمن في مفارقة ما بعد 2021: باكستان كانت تاريخياً تُتهم بدعم طالبان، وبعض دوائرها ربما افترضت أن عودة طالبان للحكم ستعني “جاراً متعاوناً” أو على الأقل أقل عداءً. لكن الوقائع أظهرت تصادماً بين توقعات باكستان وضرورات طالبان كسلطة: طالبان الأفغانية ليست نسخة مطابقة لطالبان باكستان، ولا تستطيع—حتى لو أرادت—تفكيك كل الشبكات العابرة للحدود دون أثمان داخلية، كما أنها لا تريد الظهور كوكيلٍ لباكستان أمام جمهورها وقواعدها المسلحة. وفي المقابل، باكستان لم تعد تملك ترف “الصبر الاستراتيجي” إذا كانت هجمات الداخل ترتفع وتُحمّل سياسياً على الحكومة والجيش معاً. هكذا تتحول العلاقة إلى صدام توقعات: كل طرف يعتقد أن الآخر “يستطيع” لكنه “لا يريد”، فيتقدّم منطق العقاب بدل التفاوض.
رابعا : توازن القوة… وتوازن الكلفة
على الورق، كفّة باكستان أثقل: جيش نظامي، سلاح جو، قدرات ضرب بعيدة، وبنية دولة مستقرة نسبياً مقارنة بأفغانستان. لكن طالبان تملك نوعاً آخر من القوة: القدرة على الاحتمال ومرونة الانتشار، وخبرة طويلة في استنزاف خصوم أقوى، إضافة إلى أن ساحة الاشتباك طبيعتها جبلية–قبلية تسمح بحرب منخفضة الشدة لكنها طويلة. وعليه فإن سؤال “من ينتصر؟” أقل دقة من سؤال “من يدفع الكلفة الأقل؟”—وخاصة إذا تحولت المواجهة إلى استنزاف حدودي متكرر يفتح نوافذ لصعود جماعات أخرى مثل TTP أو حتى تنظيمات أشد تطرفاً، أو يضغط على باكستان من الداخل (في كبرى الأقاليم أو مناطق الحدود) ويضغط على طالبان اقتصادياً وشرعياً عبر تعطيل المعابر وتفاقم الأزمات الإنسانية.
خامسا : ثلاث ساحات خفية لا تقل خطورة عن المدافع
ساحة المعلومات: التناقض الحاد في أرقام الخسائر والروايات (وعدم القدرة على التحقق المستقل سريعاً) يجعل “الحرب السردية” جزءاً من المعركة: كل طرف يحتاج لإقناع جمهوره بأنه لم يخسر، وأنه ردّ بقوة، وأن الطرف الآخر تراجع أو دفع ثمناً. وهذا يضيّق هامش التسوية لأن أي تنازل لاحق سيُقرأ كإقرارٍ ضمني بخسارة.
ساحة الداخل: في باكستان، الضغط الأمني والسياسي يدفع إلى قرارات حادة وإجراءات استعراضية (حالة تأهب، توقيفات، حملات أمنية). وفي أفغانستان، طالبان تحتاج أن تُظهر تماسكاً داخل أجنحتها العسكرية والسياسية، وتوازن بين “الردّ” و”عدم فتح حرب شاملة” قد تتجاوز قدرتها الاقتصادية.
ساحة الاقتصاد الإنساني: المخيمات واللاجئون والمعابر تتحول إلى “رافعات توتر”؛ أي حادث قرب مخيمٍ حدودي أو قصفٍ يطال مدنيين قد يكسر آخر خطوط الاتصال ويجعل التصعيد خياراً أكثر قبولاً سياسياً.
سادسا : إلى أين يتجه المسار؟ أربعة سيناريوهات مرجّحة
السيناريو الأول: تهدئة سريعة بوساطة—لكن مع “قنابل موقوتة”
قد تنجح وساطة قطرية–إقليمية في إعادة وقف إطلاق نار، كما حدث في موجات سابقة، مع ترتيبات “خفض تصعيد” على بعض النقاط الساخنة وإعادة فتح قنوات اتصال أمنية. مؤشرات هذا السيناريو تظهر في تصريحات الاستعداد للتفاوض، وفي تحرّك وسطاء ونداءات دولية لوقف القتال. لكن هذا السيناريو يظل هشاً إذا لم يُعالج جوهر الخلاف: ملف TTP، وضبط الحدود، وآلية تحقق مشتركة تمنع كل طرف من تحويل الاتهام إلى ذريعة لضربة جديدة.
السيناريو الثاني: “حرب حدودية طويلة” منخفضة الشدة
هنا لا نرى جبهة شاملة، بل موجات متقطعة: قصفٌ، غارات محدودة، تسلل أو هجمات على نقاط، ردود، ثم هدنة مؤقتة. هذا السيناريو الأكثر اتساقاً مع طبيعة الأرض وواقع القدرات: باكستان تستطيع الضرب من الجو، وطالبان تستطيع الاستنزاف على الأرض، والحدود الطويلة توفر مسرحاً دائماً للحوادث. خطورة هذا المسار أنه يمنح الجماعات المسلحة غير المنضبطة “مساحات رمادية” وتبريراً للتجنيد، ويجعل المدنيين وقوداً سياسياً للصراع.
السيناريو الثالث: توسع إقليمي غير مباشر
قد لا تدخل أطراف ثالثة عسكرياً بصورة مباشرة، لكن الأزمة قد تتحول إلى ساحة نفوذ: تقارب أفغاني–هندي يثير باكستان، أو ضغط صيني لعدم تهديد مشاريعها وممراتها، أو أدوار إيرانية/روسية/تركية تتنافس على الوساطة والنفوذ. في هذا السيناريو، تصبح الأزمة “مركّبة” لأن تسويتها لن تكون ثنائية فقط، بل مرتبطة بتوازنات إقليمية أوسع.
السيناريو الرابع: انفلات داخلي يفرض التسوية أو ينسفها
إذا تصاعدت عمليات TTP داخل باكستان، أو توسعت اضطرابات داخلية في مناطق حساسة، قد تضطر إسلام آباد إلى تخفيف التصعيد الخارجي للتركيز على الجبهة الداخلية—أو بالعكس قد ترفع التصعيد الخارجي لتحويل الأنظار وتثبيت الردع. وفي أفغانستان، أي انقسام داخلي أو منافسة بين أجنحة طالبان قد يدفع بعض القوى إلى التشدد أو إلى تقديم تنازلات سريعة. هذا السيناريو هو الأخطر لأنه يُدخل عامل “اللايقين” بقوة، ويجعل الحسابات العقلانية أقل سيطرة.
سابعا : مؤشرات يجب مراقبتها في الأسابيع المقبلة
إذا أردنا قراءة المستقبل القريب ببراغماتية، فهناك علامات عملية تشير إلى اتجاه الأزمة:
• استمرار الضربات داخل العمق (وليس فقط على الشريط الحدودي) يعني أن سياسة “الضغط المباشر على طالبان” تتكرس.
• إغلاق المعابر وتقييد التجارة مؤشر على انتقال الصراع إلى “حرب اقتصادية” موازية.
• توسع حملة الترحيل/التوقيفات بحق الأفغان داخل باكستان يعكس توظيف ملف اللاجئين أمنياً وسياسياً، ما يزيد الكراهية المتبادلة ويضيق فرص التهدئة.
• نشاط الوسطاء: نجاح وساطة يحتاج عادةً إلى “وقف نار موضعي” كإشارة حسن نية، وإلى آلية تحقق. دعوات موسكو للتهدئة، ودور قطر المعلن، مؤشرات على أن الإقليم لا يريد حرباً مفتوحة على هذا الخط.
ثامنا : خلاصة: لماذا قد يتراجع الطرفان… ولماذا قد لا يتراجعان؟
المنطق الاستراتيجي البارد يقول إن حرباً شاملة ليست في مصلحة أي منهما: باكستان لا تريد جبهة غربية تستنزفها بينما تظل حساسية الشرق قائمة، وطالبان لا تملك اقتصاداً ولا اعترافاً دولياً يمكّنها من تحمل حرب طويلة مع دولة أقوى. لكن المنطق السياسي الساخن يقول إن الطرفين محكومان أيضاً باعتبارات الهيبة والردع والجمهور، وبمعضلة “التصعيد غير المقصود” حيث تكفي ضربة خاطئة أو ضحايا مدنيون أو سقوط نقطة حدودية لتتدحرج كرة النار.
لذلك تبدو أقرب وصفة واقعية لتجنب الانفلات هي صفقة أمنية–سياسية متعددة المسارات: قناة اتصال عسكرية لمنع سوء التقدير، تفاهمات قابلة للتحقق حول نشاط الجماعات العابرة للحدود، ترتيبات إنسانية للمعابر واللاجئين بالشراكة مع الأمم المتحدة، وربط الاقتصاد بالتهدئة بدل استخدامه كسلاح دائم. ما عدا ذلك سيُبقي الطرفين في دائرة “هدنة ثم انفجار”، وهي دائرة أثبتت أنها تزداد عنفاً مع كل دورة جديدة.
