حسين السيد يكتب: رمضان فى مصر

الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
حسين السيد يكتب: رمضان فى مصر شهر رمضان

لم يحظ شهر بالعناية والتقدير والحظوة مثلما حظى شهر رمضان عند المصريين، نظرا لإدخاله البهجة والفرحة فى قلوب المسلمين وغير المسلمين، ابن البلد أو الأجنبي، ولا شك أن رمضان فى مصر يختلف عنه فى أى بلد آخر، ويمكننا القول بكل اطمئنان إن مصر أولت رمضان اهتماما ورعاية دون غيرها من البلدان الأخرى، وكأنها اختصت به وحدها، فالكل مبتهج لقدومه سواء البشر أو الحجر، ويمتزج المشهد الدينى بالدنيوى، فتعج المساجد بالمصلين خاصة فى صلاتى التراويح والفجر، ويحرص الناس على قراءة القرآن أو  الاستماع إليه، ويخرجون الزكاة الواجبة عليهم، وتصفو النفوس والأرواح، ويقل الشجار والعراك، ويشعر الجميع بالأمن والأمان فى رحابة هذا الشهر الكريم، وتنتشر موائد الرحمن لكل الصائمين، كما يترقبون المسحراتى خاصة الأطفال ويتجاوبون معه.

وتقوم الأسر بتركيب الزينة داخل بيوتهم، ويتعاونون على تركيبها فى الشوارع فى منظر يدل على الحب والمودة والألفة، وإن جاءت نسمة هواء سمعت حفيف الزينة، وفى الشارع يردد الأطفال بعض الأهازيج المرتبطة برمضان، وبعد الانتهاء من صلاة التراويح يحرص الناس على قضاء أوقاتهم معا، فيتبادلون الزيارات والتهانى، ويتناولون أطباقا من الحلويات، ولا يخلو بيت من الكنافة والقطائف، وتقام الفراشات لبيع الحلويات فى شهر رمضان فقط، فكل شىء إذا أضيف إلى رمضان اكتسب نكهة ومذاقا خاصا، فالزينة لا نشعر بها إلا فى رمضان، وبعد رمضان كأن لا وجود لها، وقس على ذلك باقى الأشياء، فالكنافة والقطايف والتمور والمشروبات مثل التمر هندى... من معالم شهر رمضان، يقبل عليها الغنى والفقير، الصغير والكبير.

بمناسبة الكنافة والقطائف، قيل إن أول من قدمت إليه من العرب هو معاوية بن أبى سفيان فى ولايته على الشام، كما نقل لنا السيوطى عن ابن فضل الله العمرى فى "مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار"، فيروى أن معاوية كان "يجوع فى رمضان جوعا شديدا. فشكا ذلك إلى محمد بن آثال الطبيب فاتخذ له الكنافة فكان يأكلها فى السحر فهو أول من اتخذها"، وقيل سليمان بن عبدالملك. لكن الأديب محمد سيد كيلانى فى مقالة له بمجلة "الرسالة" فى العدد 888، يشك فى صحة هذا الخبر، وحجته فى ذلك أن المؤرخين المتقدمين لم يشيروا إليه. كما أن ابن فضل الله لم يذكر المصدر الذى نقل عنه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكنافة ليست الطعام الوحيد الذى يدفع به الجوع، وهى ليست علاجا حتى يصفه الطبيب ابن آثال، وكان من الممكن أن يقوم الرقاق مقامها ويسد مسدها. فما رواه ابن فضل الله، فى هذا الموضوع يجب أن يوضع موضع الشك.

يعد الشاعر المصرى أبو الحسين الجزار، وهو من مخضرمى الدولتين الأيوبية والمملوكية، من الشعراء الذين أحبوا الكنافة حبا كبيرا وتغنوا بها غناء كثيرا، فقال:
تاللهِ ما لثمُ المَرَاشِفْ

كلا ولا شمُّ المعاطِفْ

بألذَّ وقعًا فى حَشَا

ىَ من الكُنافةِ والقطائفِ
فهو يرى فى الكنافة والقطائف لذة أعذب وأحلى من لثم الشفاه وشم المعاطف.
وقال أيضا:
سقَى الله أكناف الكُنَافة بالقَطْر

وجادَ عليها سكَّرًا دائمَ الدَّر
وتبًّا لأيام المُخَلَّل إنها 

تمرُّ بلا نفع وتُحسَبُ من عُمْرى

حسين السيد
حسين السيد

 

وهو هنا متبرم ساخط على حياة الفقر التى عاشها وأكل فيها المخلل، ويدعو لها فى البيت الأول بأن تسقى بماء الورد والسكر. وتضيق الدنيا بالشاعر الجزار، حتى إنه لا يستطيع شراءها فيطلبها من صديقه "شرف الدين"، فيقول:
أيا شرفَ الدينِ الذى فيضُ جودِهِ 

براحتِهِ قد أخجَلَ الغيثَ والبحرَا
لئن أمحلتْ أرضُ الكُنَافة إننى  

لأرجُو لها من سُحْبِ راحتِكَ القَطْرا

فعجِّلْ بها جُودًا فما لى حاجةٌ  

سِوَاها نباتًا يُثْمِر الحمدَ والشكرَا
ويبدو أن الكنافة كانت صعبة المنال عليه حتى إنه ليقول:
ما رأتْ عينى الكُنَافةَ إلا 

عند بيَّاعِها على الدُّكان
ولَكَم ليلة شبعتُ من الجوعِ

عشاء إذا جزتُ بالحلوانى
كما أحب الشاعر المصرى جمال الدين ابن نباتة الكنافة وتغزل فيها، قال:
يا سيدى جاءتك فى صدرِها

كأنها رُوحى فى صدرى
كنافةٌ بالحُلوِ محشوة   

كمَا تقول العسل المصرى
قد خَنَقتنى عَبْرتى كاسمها

وبادَرَتْ من خلفها تجْرِى
وللإمام البوصيرى صاحب "البردة" قصيدة يعتب فيها على قاض اسمه (عماد الدين) لم يقدم له كنافة رمضان، فقال:
ما أكلنا فى ذا الصِّيامِ كُنافَه

آهِ وابُعْدَهَا علينَا مسافَه
قال قومٌ إن العماد كريمٌ 

قلتُ هذا عندى حديثُ خرافَه
أنا ضيفٌ له وقد متُّ جوعًا 

ليت شعرى لِم لا تُعدُّ الضِّيافَه
وهو إنْ يُطْعِمِ الطعامَ فما 

 يُطعم إلا بسُمْعةٍ أو مخافَه
ولابن الرومى شعر فى القطائف، وكان يسر بها سرور عباس بن الأحنف بقرب حبيبته فوز، فقال:
قطائفٌ قد حُشيتْ باللوز 

والسكر الماذِىِّ حشْوَ الموز
تسبحُ فى آذىِّ دُهْنِ الجوز

سُرِرتُ لمَّا وقعتْ فى حَوزِى
 سرورَ عباسٍ بقربِ فوزِ
ولصلاح الدين الصفدى فى القطائف:
ألذُّ شىءٍ على الصيام

 من الحلاوات فى الطعامِ
قطائفٌ فُضِّضَتْ فتحكى

فرائدَ الدرِّ فى النِّظامِ
منوعاتٌ على جُنُوبٍ

فى الجامِ كالصبية النيامِ
وبعض الشعراء فضل القطائف على الكنافة مثل الشاعر سعد الدين بن عربى ابن الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى، قال:
قال القطائفُ للكنافةِ ما

 بالى أراكِ رقيقةَ الجسدِ
أنا بالقلوب حلاوتى حُشِيَتْ

فتقطَّعِى من كثرةِ الحسدِ

وللاستزادة يمكن الرجوع إلى كتب "منهل اللطايف فى الكنافة والقطايف" لجلال الدين السيوطى، تحقيق محمود نصار، و"رمضانيات" لمصطفى عبدالرحمن، و"رمضان" لحسن عبدالوهاب، ومقالة الأديب محمد سيد الكيلانى بمجلة الرسالة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة