في زمن تميل فيه بعض الدراما التلفزيونية إلى المبالغة في الأداء أو الاتكاء على الزخارف الشكلية، يطل أداء الفنانة ريهام عبد الغفور في مسلسل "حكاية نرجس" بوصفه تجربة تمثيلية تقوم على الصدق الفني والقدرة العميقة على التماهي مع الشخصية، فخلال أربع حلقات لم تقدم ريهام مجرد دورا في حكاية لمسلسل، بل صنعت كيانًا إنسانيًا كامل الملامح، له تاريخه النفسي والاجتماعي، وله منطقه الخاص في التفكير والسلوك.
اختارت ريهام عبد الغفور أن تظهر بلا مكياج تقريبًا، وهو خيار جمالي ودرامي في الوقت ذاته، لا يهدف إلى لفت الانتباه بقدر ما يخدم بناء الشخصية، فـ"نرجس" امرأة تنتمي إلى بيئة قاسية، وتعيش تحت ضغط اجتماعي ونفسي شديد بسبب حرمانها من الإنجاب، وهو ما يجعل الوجه الطبيعي، الخالي من الزينة، أكثر صدقًا في التعبير عن هذه الحالة الإنسانية.
• أداء يقوم على التفاصيل الدقيقة..
تتميز ريهام عبد الغفور بقدرة لافتة على الاشتغال على التفاصيل الصغيرة للشخصية؛ فالأداء هنا لا يعتمد على الجمل الحوارية بقدر ما يعتمد على الإيماءة والنظرة والصمت، وفي العديد من مشاهد الحلقات الأربعة ، تكفي نظرات عينيها لتكشف ما يدور في داخل الشخصية من توتر وقلق وخوف، بل وحتى شر متراكم، إنها لحظات تمثيلية تؤكد أن الممثلة تمتلك أدواتها، وتعرف كيف توظفها لخلق مصداقية فنية عالية، هذه القدرة على التعبير الصامت تمنح الشخصية عمقًا إضافيًا، وتجعل المتلقي يشعر بأنه أمام إنسان حقيقي، لا مجرد شخصية مكتوبة في نص درامي، فريهام لا تكتفي بأداء الدور، بل تخلق حياة موازية للشخصية، تتشكل من تراكمات نفسية وانفعالات داخلية تظهر تدريجيًا على الشاشة.

ريهام عبد الغفور في حكاية نرجس
• الشر بوصفه بنية نفسية..
المثير في شخصية "نرجس" أنها ليست شريرة بالمعنى السطحي للكلمة، بل شخصية متجذرة في الشر نتيجة مسار حياتي معقد. فالمسلسل يقدم امرأة دفعتها الضغوط الاجتماعية القاسية، خاصة وصمة العقم في المجتمعات الشعبية، إلى اتخاذ قرارات مظلمة. تبدأ الحكاية بطلاقها من زوجها الأول بسبب عدم الإنجاب، ثم زواجها من رجل آخر كان يحبها، لكنها تخدعه بتزوير أوراق تثبت أنه غير قادر على الإنجاب حتى لا يطلقها.
هذه البداية الدرامية تضع المتلقي أمام شخصية ستتحول تدريجيًا إلى ما يشبه الأسطورة السوداء، حيث ستُعرف لاحقًا بلقب "بنت إبليس"، بعد تورطها في سلسلة من جرائم خطف الأطفال.
ريهام عبد الغفور وبدون ماكياج تقدم شخصية من لحم ودم وبدون تجميل
-
الواقعية البصرية والإخراج
لا يمكن فصل هذا الأداء عن المعالجة البصرية التي قدمها المخرج سامح علاء، فالكادرات وحركة الكاميرا تبدوان حريصتين على تعزيز الإحساس بالواقعية، إذ تتجنب اللقطات الاستعراضية وتقترب أكثر من الشخصيات، وكأنها تحاول التوغل في عالمها الداخلي.
يلعب مدير التصوير دورًا مهمًا في هذا السياق؛ فالإضاءة الخافتة واللقطات القريبة تمنح وجه ريهام عبد الغفور مساحة للتعبير، وتسمح للكاميرا بالتقاط أدق الانفعالات، وهكذا يصبح التفاعل بين الممثلة والكاميرا عنصرًا أساسيًا في بناء الحالة الدرامية.
"حكاية نرجس " مستوحى من قصة حقيقية هزت الرأي العام في مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، حين كُشف عن سيدة عُرفت إعلاميًا بلقب "بنت إبليس"، بعد أن قامت بخطف أطفال حديثي الولادة من المستشفيات وتربيتهم على أنهم أبناؤها، وتبدأ الحكاية بامرأة تدعى عزيزة السعداوي، تزوجت في سن مبكرة ثم تعرضت للطلاق بعد اكتشاف عدم قدرتها على الإنجاب، وتحت ضغط المجتمع وأسئلته القاسية، لجأت إلى حيلة درامية معقدة: أوهمت الجميع بأنها حامل، ثم تنكرت في زي ممرضة وخطفت رضيعًا من المستشفى، لتعلن أنه ابنها، ومع تكرار الضغط الاجتماعي لإنجاب طفل آخر، أعادت الجريمة مرات عدة، حتى انكشف الأمر بالصدفة، وهذا البعد الواقعي يمنح المسلسل طاقة درامية كبيرة، ويضع شخصية "نرجس" في منطقة رمادية بين الضحية والجلاد؛ فهي في الوقت ذاته امرأة مسحوقة اجتماعيًا، ومرتكبة لجرائم صادمة.
ريهام عبد الغفور في مسلسل حكاية نرجس
-
أداء يرسخ مكانة ممثلة استثنائية
مرة أخرى تثبت ريهام عبد الغفور أنها من الممثلات القلائل القادرات على التحول الكامل داخل الشخصية، فهي لا تعتمد على حضورها الشخصي أو على تكرار نمط أدائي ثابت، بل تسعى في كل دور إلى بناء عالم جديد، وفي "حكاية نرجس"، يبدو هذا التحول واضحًا؛ إذ تختفي الممثلة تقريبًا خلف الشخصية، ليبقى على الشاشة إنسان مأزوم، غامض، ومخيف في آن واحد.
وبهذا الأداء، تؤكد ريهام عبد الغفور أن الموهبة الحقيقية في التمثيل لا تكمن فقط في القدرة على البكاء أو الصراخ أمام الكاميرا، بل في القدرة على خلق حياة كاملة داخل الدور، حياة تجعل المتفرج يصدق ما يراه، حتى وإن كان ما يراه هو حكاية مظلمة عن إنسان دفعه المجتمع إلى أن تصبح "بنت إبليس".
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026