في ظل ما يشهده العالم من صراع على السيادة، والذي يعد السمة السائدة لحقبة الـ"GAPS" أو " Global Architecture for Policy Sovereignty " ( الهندسة العالمية لسيادة السياسات )، يدور التساؤل المنطقي في هذا الإطار حول طبيعة النظام الدولي الجديد.. هل تتواصل الأحادية القطبية التي بزغت في أعقاب الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لتعلن نهاية حقبة الثنائية أم أننا بصدد التحول نحو عالم متعدد الأقطاب على النحو الذي يرغبه منافسو القيادة العالمية؟
الواقع أن الإجابة على هذا التساؤل، تنطوي على درجة عالية من التعقيد في ضوء طبيعة الصراع نفسه، فالقيادة الأحادية في صورتها الكلاسيكية، قامت في الاساس على وجود تبعية ناعمة داخل معسكر دولي واضح المعالم، يحظى اعضاؤه بانسجام تام، سواء أيديولوجي أو حضاري او عسكري، غير أن هذه الصورة لم تعد تنطبق على الحالة الدولية الراهنة، في ضوء خشونة التحالفات، وكذلك غياب مفهوم المعسكر بصورته التقليدية والتحول نحو النهج الشبكي، الذي لا يحمل توافقات كاملة أو خلافات تامة، وهو ما يضفي قدرا من المرونة في الانتقال من حالة التحالف الى الصراع او حتى الجمع بينهما في الكثير من الاحيان في إطار العلاقة بين نفس الأطراف.
وأما التحول إلى التعددية الكاملة، فهو تلقائيا ليس بالأمر الذي يمكن الجزم به بهذه السهولة، في ظل احتفاظ المركز العالمي بأدوات تمنحه تفوقا نسبيا على منافسيه، سواء فيما يتعلق بالبنية الاقتصادية او النفوذ السياسي وحتى ما يرتبط بالسيطرة التكنولوجية وسلاسل الامداد، في الوقت الذي يحتفظ فيه بقدراته السيادية في فرض القيود على وصول أطراف معينة، من بينها مراكز شبكية أخرى، إلى تلك الأدوات، وهو ما يسمح له بالحفاظ على مساحة من التفوق لتضمن بقاءه على قمة النظام، حتى في ظل تصاعد المنافسة.
وهنا تبقى الحالة الدولية بصدد تغييرا جذريا، فلا يبدو العالم متجهًا نحو أحادية كلاسيكية، ولا نحو تعددية قطبية نموذجية، ولكن يبدو أقرب إلى نمط جديد يجمع بينهما، يمكن وصفه بـ"نظام أحادي القطبية متعدد الشبكات"، في ظل وجود مركز دولي واضح، مازال يملك دفة القيادة العالمية، بينما تتواجد مراكز أخرى تقود داخل شبكاتها الخاصة في إطار مساعيها لمزاحمة القيادة الدولية.
والأحادية هنا ليست استمرارا لحقبة قديمة، وإنما تمثل مرحلة دولية جديدة، في ضوء كونها لم تعد توافقية، كما كانت في العقود التي أعقبت الحرب الباردة حيث أصبحت مفروضة بحكم ما يمتلكه المركز من أدوات تمنحه تفوقا نسبيا على أقرانه، وفي الوقت نفسه قد لا يملك فيه المركز العالمي، على الأقل مرحليا، القدرة على تقويض الشبكات المنافسة، وهو ما يعكس امتلاكها هي الأخرى أدوات تحتفظ لمراكزها بمكانتها باعتبارها الأطراف الدولية الأكثر قدرة على مزاحمة القيادة الدولية، ولكن دون تدميرها او القضاء عليها.
هذا الطرح يكشف أن ثمة تعددية في المراكز الشبكية، حيث تستطيع ادارة شبكاتها، بينما تحاول استقطاب الأطراف الفاعلة في الشبكات الأخرى، في حين أنها تبقى في مواجهة مركز عالمي أحادي، لديه شبكته الخاصة، ويسعى إلى السيطرة على تحركات أطرافها والتحكم في وتيرة صعودها، بينما يعمل في الوقت نفسه على التحكم في البنية التشغيلية للشبكات الأخرى، بما يملكه من أدوات سيادية بحيث يبقى صعودها، وبالتالي صعود مراكزها محكوما بما يحقق بقاءه على قمة النظام العالمي.
ولعل اسقاط المركز الدولي ليس أولوية لدى المراكز الشبكية، في ضوء عدم رغبتها في الدخول في مواجهة مبكرة، قد تساهم في إضعاف مواقعها على الساحة الدولية، وانما تتحرك في الفناء الخلفي لشبكة المركز عبر استقطاب الأطراف المؤثرة، وبالتالي تقليص مساحة النفوذ الذي تحظى به القيادة العالمية، وتوسيع شبكاتها الخاصة، وهو الأمر الذي يساهم في تعزيز الدور الذي تقوم به ما أسميته في مقالي السابق بـ"القوى الشبكية"، وهي الأطراف المؤثرة القادرة على التواجد في اكثر من شبكة متنافسة لتحقيق مكاسب عبر الاستفادة من المساحة التي يخلقها الصراع، ناهيك عن تعزيز مكانتها باعتبارها تمثل وسيطا ضمنيا، قد لا يمنع الصراع وإنما يمكنها القيام بدور في الاحتفاظ بوتيرته دون مزيد من التفاقم.
النظام العالمي بصورته الحالية، لا يسقط بسهولة في ضوء التداخلات العميقة بين الشبكات، وكذلك في ظل الخشونة التي تحظى بها العلاقة بين المركز والأطراف في الشبكة الواحدة، ولكن في نفس الوقت يعتمد بقاءه على توازن دقيق في العلاقة بين المراكز الشبكية، بالإضافة الى قدرة القوى الشبكية على الاحتفاظ بوتيرة الصراع والحد من احتمالات تفاقمه.
وهنا يمكننا القول بأن النظام الدولي في حقبة الـ GAPS أبعد ما يكون عن النماذج التقليدية التي عرفها العالم خلال القرن الماضي، فلا هو أحادي قطبية بالمعنى الكلاسيكي الذي يقوم على معسكر منسجم تدور أطرافه في فلك مركز واحد، ولا هو تعددي قطبي تتوزع فيه القيادة العالمية بين قوى متكافئة، بل هو نظام أكثر تعقيدا، يقوم على مركز عالمي يحتفظ بتفوقه النسبي، في مقابل مراكز شبكية تسعى إلى توسيع نفوذها عبر شبكاتها الخاصة، بينما تتحرك القوى الشبكية بين هذه المساحات المتداخلة لتعظيم مكاسبها والحفاظ على قدر من التوازن في بنية الصراع. والنهاية التي يمكن استخلصاها في هذا الإطار هي أن النظام الدولي لم يعد هرما واضح القمة كما كان بعد الحرب الباردة، ولا مائدة مستديرة كما تصورها أنصار التعددية القطبية، بل أصبح أقرب إلى شبكة معقدة تتقاطع فيها مراكز متعددة تحت سقف مركز عالمي مازال يحتفظ بأدوات التحكم في قواعد اللعبة، وبذلك لا يقوم النظام الدولي في حقبة الـGAPS على تعددية الأقطاب بقدر ما يقوم على تعددية الشبكات تحت سقف مركز عالمي يحتفظ بالقدرة على التحكم في قواعد تشغيلها.
إقرأ أيضا
من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة
"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟
من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ"GAPS"
فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم
من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.. السيادة فى سوق الـ"GAPS"
من التحوط إلى المضاربة.. استراتيجيات الدول فى سوق الـ"GAPS"
حرب السيادة.. طبيعة الصراع في حقبة الــ GAPS