مع دخولنا في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك، واقترابنا من الأيام العشر الأواخر التي تتسم تاريخياً بالاعتكاف والخلوة الروحية، تبرز أمامنا ظاهرة سوسيولوجية تستحق التوقف والتأمل؛ وهي ظاهرة الانغماس الشديد في ما يمكن أن نطلق عليه "التدين الافتراضي" أو "الاستعراض الروحي" عبر منصات التواصل الاجتماعي. لقد تحولت طقوس العبادة من مساحة شخصية وسرية بين الإنسان وخالقه، إلى مادة يومية للبث المباشر والتوثيق الفوتوغرافي عبر "الستوري" و"الريلز".
إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة بعدسة علم الاجتماع الرقمي، سنجد أننا أمام حالة معقدة من التماهي مع التكنولوجيا. لقد تحدثت في دراسات سابقة عن مفهوم "الإنسان المعاد هندسته خوارزمياً"، وكيف أن منصات السوشيال ميديا لم تغير فقط طريقتنا في التواصل، بل غيرت بنيتنا النفسية وطريقتنا في ممارسة شعائرنا. الخوارزميات تدفعنا دائماً نحو المشاركة المفرطة لتحصيل الإعجابات (اللايكات)، مما جعل البعض لا يشعر بلذة العبادة أو إتمام قراءة الورد القرآني إلا بعد التقاط صورة جمالية لفنجان القهوة بجوار المصحف، أو تصوير مقطع فيديو أثناء البكاء في صلاة التراويح لنشره على الانستجرام أو الفيسبوك.
المشكلة السوسيولوجية هنا تكمن في أن هذا "الاستعراض الروحي" يفرغ العبادة من مضمونها الأساسي وهو "التجرد والخلوة" فشهر رمضان شُرع ليكون محطة للانسحاب التكتيكي من ضجيج الحياة المادية، وفرصة لترميم العلاقة بالذات بعيداً عن أعين الناس. لكن ما يحدث الآن هو إقحام "الجمهور الافتراضي" في أدق لحظاتنا الروحية، مما يخلق حالة من "المحاكاة الاجتماعية"؛ حيث يجد الشباب أنفسهم في سباق وهمي لإثبات من هو الأكثر تفاعلاً وخشوعاً أمام الكاميرا، ليتحول التدين من "حالة وجدانية" إلى "مظهر اجتماعي" يتم تقييمه بعدد التفاعلات والتعليقات.
علاوة على ذلك، يخلق هذا النموذج من التدين الافتراضي ضغطاً نفسياً صامتاً على شريحة واسعة من المتابعين، الذين قد يشعرون بالتقصير أو الإحباط عندما يقارنون يومياتهم الرمضانية العادية، بالصور المثالية والمنمقة التي يصدرها الآخرون والمؤثرون (الإنفلونسرز) عبر الشاشات. لقد حولنا رمضان إلى "قالب مثالي" يجب أن يبدو جميلاً في الصور، ونسينا أن حلاوة هذا الشهر تكمن في بساطته، وفي الدمعة الصادقة التي لا ترصدها عدسات الهواتف.
نحن لا نشكك في نوايا أحد، فربما يكون الدافع لدى البعض هو التشجيع على الخير، ولكننا ندق جرس إنذار من خطورة التعود على إرضاء "الخوارزميات" على حساب إرضاء الذات. نحن بحاجة إلى استعادة "قدسية الخلوة"، وأن نُدرب أنفسنا، خاصة في الأيام المتبقية من هذا الشهر الفضيل، على أن نعيش اللحظة الروحية دون الحاجة لتوثيقها.
دعونا نطفئ كاميرات الهواتف قليلاً، وننغمس في سكينة الأيام المفترجة. فالعبادة التي تُمارس في صمت اليقين، أعمق وأبقى في بناء الإنسان من تلك التي تبحث عن ضجيج التريند.