فى وقتِ السَّحَرِ، حينَ تصفو الأرواحُ من ضجيجِ النهارِ، يفتحُ اللهُ لعبادِهِ بابًا من أوسعِ أبوابِ القربِ إليهِ بقيامِ الليلِ، وسرًّا من أسرارِ الرجاءِ لا يعرفُهُ إلا من ذاقَ حلاوةَ المناجاةِ، وأقبلَ بقلبٍ منكسرٍ يرجو رحمةَ ربِّهِ، ويستمدُّ منهُ نورَ الهدايةِ.
وفى رمضانَ تتضاعف قيمةُ هذه المناجاةِ؛ إذ تمتزج روحانيةُ الشهرِ بصفاءِ الليلِ، فيتكوّن من ذلك مشهدٌ إيمانى فريد، يعترف فيه القلبُ بضعفهِ، ويبوح بأحلامه وآلامه، ويستمدُّ من القرب الإلهى طاقةً جديدةً على الصبرِ والرجاء.
وقد رغّب اللهُ -تعالى- المؤمنينَ فى قيامِ الليلِ، وأثنى على أهلِه وجعلَهم فى مقامِ الصفوةِ، فقالَ تعالى: (تَتَجافى جُنوبُهُمْ عنِ المضاجِعِ يَدعونَ ربَّهُم خوفًا وطمعًا وممّا رزقناهُم يُنفِقونَ)، وقال سبحانه:(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، وقال رسولُ اللهِ - ﷺ -:(أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ).
وقال:(عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ).
كما أخبر ﷺ أن قيامَ الليلِ من أسبابِ دُخولِ الجَنَّةِ ورفْعِ الدَّرجاتِ فيها، فقال:(إنَّ فى الجَنَّةِ غُرفًا يُرى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهرِها، أعدَّها اللهُ تعالى لِمَن أَطعَمَ الطَّعام، وأَلانَ الكلام، وتابَعَ الصِّيام، وأفْشَى السَّلام، وصَلَّى باللَّيلِ والناسُ نِيام))، فقيامُ الليلِ مدرسةُ إخلاصٍ، ومحرابُ صفاءِ، ومنهلُ أملٍ يتزوَّدُ منهُ المؤمنُ يقينًا بأنَّ اللهَ قريبٌ يسمعُ دعاءَهُ، ويرى ضعفَهُ، ويعلمُ حاجتَهُ.
وقد قال َّ ﷺ: «ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يبقى ثُلثُ الليلِ الآخر،يقولُ: من يدعونى فأستجيبَ لهُ؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفرَ لهُ».
وهذهِ الدعوةُ الربانيَّةُ فى جوفِ الليلِ تبعثُ فى القلبِ رجاءً لا ينقطعُ، وتُشعرُ العبدَ أنَّ بابَ السماءِ مفتوحٌ، وأنَّ لحظةً صادقةً فى ظلمةِ الليلِ قد تُبدِّلُ مسارَ حياتِهِ، وتكتبُ لهُ من الفرجِ ما لم يكنْ يحتسبُ.
كم من قصصِ أملٍ بدأت من سجدةٍ خاشعةٍ فى ظلمةِ الليلِ، وكم من همٍّ انقشعَ بدعوةٍ صادقةٍ فى وقتِ السَّحَرِ، وكم من قلبٍ ضاقَتْ بهِ السُّبلُ فوجدَ فى قيامِ الليلِ سَعةً وسكينةً.
فالمناجاةُ فى تلكَ الساعاتِ تُربِّى فى النفسِ صدقَ الالتجاءِ، وتُعلِّمُها أنَّ الفرجَ لا يُطلبُ من الخلقِ، بل يُستمدُّ من الخالقِ، وأنَّ الأملَ الحقَّ يبدأُ حينَ يقفُ العبدُ بينَ يدى ربِّهِ مستسلمًا، مستغفرًا، راجيًا.
ولذلكَ كانَ الصالحونَ يعدُّونَ قيامَ الليلِ -خاصّةً فى رمضان- زادَ الطريقِ، ونورَ القلبِ، وعنوانَ الصدقِ مع اللهِ، ومحطةً لترميمِ الداخلِ، يعود فيها الإنسانُ إلى ذاته؛ إذ فيهِ تخلو الروحُ بربِّها، وتتحرَّرُ من شواغلِ الدنيا، وتجدِّدُ عهدَها بالإيمانِ والإنابةِ. ويخرج صاحبها إلى يومه بقلبٍ ثابتٍ، ونفسٍ مطمئنَّةٍ، وأملٍ جديدٍ يجددُ بهِ صلتَهُ بربِّهِ، ويُعينُهُ على صعوباتِ الحياةِ.