إذا كانت السيادة هي العملة في مرحلة الـ"GAPS” أو " Global Architecture for Policy Sovereignty " ( الهندسة العالمية لسيادة السياسات )، والمجتمع الدولي هو السوق الذي يتم فيه تداول تلك العملة، بينما تتحرك الدول بوصفها أطرافا تسعى أحيانا إلى التحوط وأحيانا أخرى إلى المضاربة في مقابل المراكز وهي القوى الكبرى التي تضع القواعد والمعايير لتحكم هذا السوق، فالسؤال الأكثر إلحاحا في اللحظة الراهنة لا يتعلق فقط في كيفية إدارة هذا التداول، ولكن أيضا ما هو شكله؟ وماهي حدوده؟ وما إذا كان قد ينزلق إلى مواجهة اوسع تتجاوز حدود السيطرة لتفتح الباب أمام حرب شاملة قد تأكل الاخضر واليابس.
والواقع أن الصراعات الكبرى تتشكل في اللحظات الانتقالية، على غرار تلك التي نعيشها اليوم، فبمجرد انتهاء حقبة الحروب الساخنة، بزغ التنافس الأيديولوجي، الذي تحول لاحقا إلى حرب باردة استمرت ما يقرب من أربعة عقود كاملة، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، ظهرت إرهاصات صراع الحضارات الذي تنبأ به صموئيل هنتنجتون، قبل أن تتجسد ملامحه على أرض واقع على الأرض بعد سنوات قليلة، ليصبح العالم مقبلا في المرحلة الراهنة على نمط جديد من الصراع العالمي يدور حول ما يمكننا تسميته بـ"حرب السيادة".
و"حرب السيادة" لم تعد صراعا ضد احتلال مباشر أو استعمار للأرض في صورتها الكلاسيكية، والتي كانت تقوم في الاساس على اعتداء من جهة تقابله مقاومة من الجهة الأخرى، وإنما أصبحت منافسة على قدرة كل دولة رفع قيمة سيادتها في سوق دولي متسع، إلى الحد الذي يتجاوز إقليمها المحدود جغرافيا، نحو السيطرة على قرار محيطها الجغرافي او العالمي، دون تدخل مباشر، في إطار كيانات حاكمة تتمثل في الشبكات الجديدة، والتي أسهبت في شرحها في المقالات السابقة.
فالصراع في حقبة “حرب السيادة” لا يدور حول السيطرة على الأرض كما كان الحال في الحروب التقليدية، ولا حول فرض نموذج أيديولوجي كما حدث في الحرب الباردة، وإنما حول القدرة على التأثير في القرار السيادي للدول الأخرى، فالقوة في هذا السياق لا تقاس بقدرة الجيوش على احتلال الأراضي، بقدر ما تقاس بقدرة الدولة على تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي تتحرك في إطارها الدول الأخرى، بحيث تصبح قراراتها السيادية، وإن بدت مستقلة ظاهريًا، متأثرة بالبنية الحاكمة للشبكات الدولية.
الصراع في الحقبة الجديدة يبدو أكثر تعقيدا، في إطار مسارين متوازيين، أولهما أفقي يقوم في الاساس على العلاقة بين المركز والأطراف داخل الشبكة الواحد، في ضوء محاولات الدول تعزيز دورها مقابل مقاومة من المركز، والذي بات اكثر قدرة على المقاومة في ضوء امتلاكه أدوات تغيير القواعد، وكذلك قدراته على منح المزايا لطرف ومنعها عن طرف آخر، وهو ما يساهم في زيادة حدة التنافس، وإمكانية تحولها إلى صراع.
الصراع الأفقى داخل الشبكة الواحدة يعكس اختلافاً جذريا عن حقبة الحروب السابقة، والتي قامت على أساس معسكرات يجمعها انسجام تام سواء عسكري في حقبة الحروب العالمية، او ايديولوجي في زمن الحرب الباردة او حتى حضاري في عصر الاحادية، بينما الشبكات الحالية تجمع في داخلها بذور الانفجار في ضوء تنافس صريح بين الأطراف من جانب وغياب الانسجام الكامل بينها وبين المركز من جانب آخر.
وعلى المسار الثاني، نجد أن ثمة صراع بين الشبكات نفسها، أو بالأحرى بين مراكز الشبكات وهو صراع رأسي، يجد جذوره في الحالة التقليدية للصراع الدولي القائم على فكرة السعي نحو قيادة العالم، وهو صراع على درجة عالية من القابلية للانفجار، في ضوء مرجعيته التاريخية، بالإضافة الى عدم انفصاله عن الصراع الأفقي، في ضوء ما تمارسه المراكز من محاولات استقطاب للأطراف المؤثرة في الشبكات الأخرى، والتي تجد خشونة في التعامل مع مراكزها الأصلية.
وفي هذا الإطار، لا يتخذ الصراع في كثير من الأحيان صورة مواجهة مباشرة بين الأطراف، وإنما يميل إلى ما يمكن تسميته بـ”الاستنزاف السيادي”، حيث تسعى الدول، سواء كانت مراكز أو أطرافا مؤثرة، إلى إضعاف قدرة خصومها على ممارسة سيادتهم الكاملة عبر أدوات اقتصادية وتكنولوجية وسياسية، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، فالقيود التجارية، والتحكم في سلاسل الإمداد، والضغوط المالية، والسباق التكنولوجي، كلها أدوات تسهم في استنزاف تدريجي للقدرة السيادية للدول، سواء في إطار الصراع بين المراكز المتنافسة أو حتى داخل الشبكات نفسها لضبط أدوار الأطراف ومنع صعودها إلى مستويات قد تهدد توازن المنظومة
وهنا تبدو المعضلة الحقيقية التي تواجه النظام العالمي في المرحلة الراهنة، في تحديد ماهية الصراع الجديد، في ظل وجود العديد من الأطراف في اكثر من شبكة، في إطار سياسات التحوط التي لفت لها في المقال السابق، وهي الدول التي لا ترغب في الانزلاق في مستنقع الصراع للاحتفاظ بشراكاتها، وبالتالي تستلهم دورها من قدراتها على الاحتفاظ بأكبر قدر من الاستقرار في إطار علاقاتها مع المراكز في مختلف الشبكات، بالإضافة إلى قدرتها على منع الشبكات نفسها من السقوط في مستنقع الحرب الكاملة والاحتفاظ بالعلاقة بينها في الاطار التنافسي.
والواقع أن رهان الأطراف المؤثرة المتواجدة بأكثر من شبكة متنافسة، على قدرتها في الانزلاق نحو صراع شامل يمثل قيمة مضافة الى عملتها في الاطار السيادي، حيث يمكنها الحفاظ على مكاسبها القائمة على تنويع شراكاتها من جانب، بينما في الوقت نفسه يبقى دورها في هذا الاطار مرآة لثقلها، في ضوء قدرتها على القيام بأحد الأدوار المنوط بها القوى الكبرى، والذي يقوم في الاساس على حفظ الاستقرار العالمي والامن الدولي، وهو ما يعكس أهميتها لتتحول إلى قوى شبكية صاعدة، يمكنها تعزيز دورها الاقليمي عبر خلق شبكات موازية اقليمية تقوم من خلاله بدور للنأي بمناطقها الجغرافية بعيدا عن تداعيات اي صراع محتمل او على الاقل الحد من آثاره حال اندلاعه.
وهنا يمكننا القول بأنه في ظل هذا التشابك بين صراع أفقي داخل الشبكات وصراع رأسي بين مراكزها، تبدو ملامح النظام الدولي في حقبة الـ GAPS أقل وضوحًا من أي وقت مضى، حيث لا يتحدد مسار الصراع فقط بقدرات المراكز الكبرى، وإنما أيضًا بدور القوى الشبكية الصاعدة القادرة على المناورة بين الشبكات المختلفة.
إقرأ أيضا
من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة
"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟
من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ"GAPS"
فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم
من تحالفات الولاء إلى البنية التشغيلية.. السيادة فى سوق الـ"GAPS"
من التحوط إلى المضاربة.. استراتيجيات الدول فى سوق الـ"GAPS"