عصام خليل

بصيرة الدولة قبل ضجيج الأحداث: كيف يقرأ الرئيس السيسي خرائط التحولات

الأحد، 08 مارس 2026 07:19 م


في تاريخ الأمم لحظاتٌ يتجاوز فيها القائد حدود إدارة اللحظة إلى أفقٍ أوسع، فيغدو حضوره السياسي أشبه ببوصلةٍ تهتدي بها الدولة وسط تعقيدات الواقع وتحولات الإقليم.

وفي مثل هذه اللحظات تتجلى قيمة الرؤية الاستراتيجية التي لا تكتفي بتفسير ما يحدث، بل تستشرف ما قد يحدث قبل أن تتبلور ملامحه على مسرح الأحداث.

في هذا السياق يمكن قراءة الموقف الذي عبّر عنه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إزاء التصعيد العسكري المتصاعد في محيط المنطقة، وما قد يفضي إليه من تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة لتطال الاقتصاد العالمي واستقرار الشرق الأوسط بأسره.

فالتصريحات التي صدرت عن القيادة المصرية لم تكن مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل حملت في مضمونها قراءة سياسية واعية لمعادلات القوة والاقتصاد في عالمٍ باتت أزماته مترابطة على نحو غير مسبوق.

إن الشرق الأوسط، بحكم موقعه الجيوسياسي وثقله في معادلة الطاقة العالمية، لم يعد مسرحًا لصراعات محلية فحسب، بل نقطة ارتكاز في توازنات دولية دقيقة.


ومن هنا جاءت الإشارة المصرية الواضحة إلى أن استمرار التصعيد العسكري قد يقود إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة، وتعقيدات في سلاسل الإمداد العالمية، وتأثيرات مباشرة على حركة النقل الجوي والبحري، وهي جميعها عوامل تمس حياة الشعوب واستقرار الاقتصادات قبل أن تمس حسابات السياسة.

ولعل أهمية هذا الموقف تكمن في أنه يعكس فلسفة سياسية تبنتها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة؛ فلسفة تقوم على قراءة المشهد الدولي بعين الدولة التي تدرك أن أمنها الوطني لا ينفصل عن استقرار محيطها الإقليمي، وأن الاقتصاد العالمي بات شديد الحساسية لأي توترٍ في مناطق النفوذ الاستراتيجي.

ومن هذا المنطلق، فإن التحذير المصري لا يمكن فهمه بمعزل عن إدراكٍ عميق لدروس التاريخ.

فالحروب في منطقتنا نادرًا ما تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، إذ سرعان ما تمتد آثارها إلى الأسواق الدولية وممرات التجارة ومصادر الطاقة، لتكتشف الدول أن شرارة الصراع قد تتحول إلى موجة اضطراب تعبر القارات.

إن جوهر الرسالة التي عبّر عنها الرئيس يتلخص في فكرة بسيطة بقدر ما هي عميقة:«
أن الاستقرار ليس شعارًا سياسيًا يُتداول في البيانات، بل معادلة دقيقة إذا اختلّ أحد عناصرها امتدت آثار الاختلال إلى الاقتصاد والأمن معًا».

ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي معالجة بؤر التوتر قبل أن تتحول إلى عواصف لا يستطيع أحد احتواءها.

ولعل المتابع لمسار السياسة المصرية يلحظ أن القاهرة اختارت أن تتحرك وفق منطق الدولة التي توازن بين الثبات والمرونة؛ فلا تنجرف خلف صخب الاستقطابات، ولا تقف موقف المتفرج إزاء ما يهدد استقرار المنطقة، بل تمارس دورها بوصفها قوة توازن تسعى إلى تثبيت معادلة الاستقرار في محيطٍ يموج بالتقلبات.

ومن هنا تبدو تصريحات القيادة المصرية أقرب إلى قراءة استباقية للمشهد الإقليمي، قراءة تنطلق من إدراكٍ راسخ بأن السلام ليس تعبيرًا عن الضعف، بل هو أعلى درجات الحكمة السياسية حين تُدار العلاقات الدولية بعقل الدولة لا بانفعالات اللحظة.

لقد علّمتنا تجارب التاريخ أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل بقدرتها على استشعار ملامحها قبل أن تتشكل.

فالقائد الذي يرى الخطر في بداياته، ويُنبّه إلى العاصفة قبل اشتدادها، إنما يحفظ لأمته توازنها ويصون لها مسارها في عالمٍ تتسارع فيه التحولات.

وهكذا تُبنى سياسات الدول الكبرى ببصيرةٍ تستبق الأحداث، وبحكمةٍ تدرك أن الزعامة ليست في أن تسير مع مجرى الوقائع، بل في أن ترى الطريق قبل أن تتفرع المسارات.

وهكذا يكون القائد.. وهكذا تُصان الأوطان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة