انطفأت أضواء الحلقات الأخيرة من مسلسل “اتنين غيرنا” مع انتهاء النصف الأول من الموسم الدرامي الرمضاني، لكن صداه لم يخفت؛ بل ظل يتردد في فضاءات مواقع التواصل الاجتماعي من جمهور ونقاد، كأن العمل ألقى حجراً في ماء راكد فامتدت دوائره طويلاً. فالعمل، رغم بساطة مظهره الأولى، يخفي في جوهره طبقات أعمق مما يبدو للعين؛ تجربة درامية تسير بهدوء فوق سطح الحكاية، لكنها تغوص في الأعماق النفسية والإنسانية لشخصياتها. ورغم بعض الخروجات الدرامية، يبقى العمل جديراً بمشاهدة متأنية تكشف عن رؤية فنية واضحة وأداء احترافي متماسك من فريقه وصورة مختلفة تفوقت على السرد أحيانا.
يمثل “اتنين غيرنا” تجربة درامية ذات نكهة خاصة في المشهد الفني للموسم؛ إذ ينسج خيوطه من الرومانسية الممزوجة بالتوتر النفسي والصراعات الإنسانية داخل إطار اجتماعي معاصر. هنا لا تُعرض العلاقات بوصفها قصص حب عابرة، بل كمساحات معقدة تتشابك فيها المشاعر وتتصادم فيها الخيبات، بينما يلقي الغياب والخذلان بظلالهما الثقيلة على النفوس. ومن أبرز عناصر قوة العمل حبكته المحكمة؛ إذ تتدفق الأحداث بوعي سردي واضح، يقود فيه كل مشهد إلى الآخر كما يقود مجرى النهر مياهه، بحيث تبدو الكلمات والحركات علامات خفية تقود المشاهد إلى أعماق الشخصيات ودوافعها.
ويبرز الأداء التمثيلي كركيزة أساسية في نجاح التجربة. فآسر ياسين يقدم نموذجاً فنياً هادئاً وناضجاً، يبتعد عن الصخب ويعتمد على الاقتصاد في التعبير. استطاع أن ينقل تردد الشخصية وحيرتها الداخلية بإيماءات خافتة ونظرات مثقلة بالمعنى، جامعاً بين القوة الجسدية والشهامة من جهة، وبين هشاشة العاطفة وضعف القلب من جهة أخرى، وهو توازن نادر.
أما دينا الشربيني، فتؤكد أنها ممثلة ذات حس إنساني رقيق وعمق عاطفي واضح، قادرة على خلق كيمياء صادقة مع من يقف أمامها، حتى مع الممثلين الأقل حضوراً أو خبرة، ما يضفي على المشاهد العاطفية صدقاً ودفئاً واضحين. وفي المقابل، جاءت سحر رامي مفاجأة العمل الهادئة؛ إذ منحت الشخصية التي قدمتها مسحة من الواقعية والاستقرار، متجاوزة الصورة التقليدية للأم لتقدم حضوراً درامياً حقيقياً يضيف طبقات إنسانية إلى المشهد ويجعله أكثر إقناعاً.
كما أن حضور صفوة في دور الأم المغلوبة على أمرها، التي تعيش صراعاً أسرياً ممتداً عبر سنوات، يبدو خطوة قد تعيد تشكيل مسار أدوارها المقبلة. فقد ملأت مساحة تركها غياب عدد من كبار الفنانين الذين رحلوا أو تقدمت بهم السنون، مستثمرة عنصر الخبرة والنضج العمري في أدوار تضيف للعمل والمجتمع قيمة فنية حقيقية.
على مستوى الكتابة، قدمت الكاتبة رنا أبو الريش عملاً يعكس خبرة متصاعدة وقدرة لافتة على تحليل الشخصيات. وتبدو العلاقة الفنية بينها وبين دينا الشربيني كتناغم خفي، حيث قدمت لها عدة مسلسلات. وفي هذا العمل تكشف الكاتبة عن خلل نفسي واضح في شخصية البطل؛ رجل يبدو قوياً اجتماعياً وجسدياً، لكنه في داخله هش الإرادة، تدفعه العلاقات كما تدفع الرياح مركباً بلا مرساة. يتأرجح بين خطيبته المرتقبة وزوجته السابقة، بين الحب والواجب، وبين الإقدام والتراجع، وكأن قراراته العاطفية تفتقر إلى النضج والوعي الذاتي. هذا التردد يفتح باب التساؤل أمام المشاهد: هل كان هذا الضعف كامناً فيه منذ البداية فكان سبب الانفصال؟ أم أن الانفصال نفسه كسر ثقته بذاته فصار ذلك الرجل الذي يرسو حين تهدأ الرياح ويبحر حين تعصف، بلا موقف ثابت أو رؤية واضحة؟ ما يخلق تعاطف مع طليقته التي استفزت الجمهور في البداية ولكن مع تسلسل الأحداث بدا موقفها مبررا.
وفي المقابل، بذل المخرج خالد الحلفاوي جهداً بصرياً واضحاً في رسم ملامح التقارب القدري بين بطلي العمل، معتمداً على لغة الصورة قبل الكلمة. منذ الحلقة الأولى اختار تقسيم الإطار بينهما كأنهما وجهان لمرآة واحدة أو مساران متوازيان يوشكان على الالتقاء. يظهر هذا التوازي في تفاصيل عديدة: عيد ميلادهما في اليوم ذاته، وصعودهما وهبوطهما في المبنى نفسه عند الطبيب النفسي، وتكرار الإيقاع البصري الذي يوحي بأن الطريقين، مهما تباعدا، يلتقيان عند الجرح نفسه.
ولم يكن التشابه مقتصراً على الوقائع، بل امتد إلى الحالة الإنسانية. فكلاهما يحمل ندبة خذلان قديم، ويعيش الأرق ذاته والسهر الطويل والحيرة التي تحيط بخياراته، بينما يتمدد الفراغ العاطفي بينهما كمساحة صامتة يتنفس فيها الاثنان. وقد انعكست هذه الملامح أولاً عبر الصورة من خلال المونتاج المتوازي وتكرار اللقطات المتناظرة، في رؤية إخراجية توحي بأن القدر يكتب قصتهما قبل أن يلتقيا في الحوار.
غير أن هذه اللمسة البصرية الذكية لم تجد دائماً ما يدعمها درامياً في النص، فبقيت بعض الإشارات كأنها بذور واعدة لم تُمنح التربة الكافية لتبلغ ذروتها. وهكذا بدا التقارب الذي صنعته الكاميرا أحياناً أكثر اكتمالاً من التقارب الذي صاغته الكلمات.
في المقابل ظهرت مشاهد بدت وكأنها توقفت قبل اكتمالها، مثل مشهد طلب البطلة مسامحة والدها الذي تُرك بلا إجابة حاسمة، أو مشهد صعود البطل إلى الطبيب النفسي في اللحظة ذاتها التي تنزل فيها البطلة، وهو تقاطع كان يمكن أن يتحول إلى لحظة مفصلية في مسار العلاقة لكنه مرّ كترتيب شكلي خافت التأثير. كما بدا المستوى المعيشي الفاره للشخصيات، من فيلات وسيارات باهظة، غير متناسب مع أوضاعهم المهنية والاجتماعية، ما خلق تناقضاً بصرياً مع واقع جمهور يعيش ضغوطاً اقتصادية قاسية.
في النهاية يبقى “اتنين غيرنا” عملاً درامياً ثرياً في استكشاف التوتر بين الحب والخذلان، وبين القوة الظاهرة والهشاشة الداخلية. فالحبكة المتماسكة، والأداء التمثيلي المتقن، والموازنة بين الواقعية والخيال الفني، كلها عناصر تجعل من المسلسل تجربة مؤثرة. وربما تكمن قيمة العمل في هذا التوازن ذاته بين الإبداع والعثرات، إذ يدفع المشاهد إلى ما هو أبعد من المتعة العابرة، إلى إعادة التفكير في دوافع الشخصيات وفي هشاشة الإنسان حين يواجه نفسه في مرآة الحب.
للتواصل مع الكاتبه اضغط هنــــــــــا