لم تكن الغيرة في وجداننا الشعبي والاجتماعي إلا توابل الحب، وتلك اللمسة التي تضفي على العلاقة الزوجية بريقاً من الاهتمام والحرص، لكن حين تنحرف هذه العاطفة عن مسارها الطبيعي، تتحول إلى نصل حاد يذبح المودة ويهدم جدران الثقة، داخل أروقة محاكم الأسرة، نجد أن "الغيرة القاتلة" أصبحت بطلة الروايات الحزينة، والمحرك الأساسي لآلاف دعاوى الخلع التي ترفعها زوجات قررن التنازل عن الغالي والنفيس، والتخلي عن حقوقهن المالية والشرعية، فقط من أجل استنشاق هواء الحرية بعيداً عن حصار الشك الذي لا يرحم.
قصص واقعية لزوجات دفعن "ثمن الحرية" خلعاً للهروب من جحيم الشك
تبدأ مأساة الغيرة القاتلة حين يتوهم أحد الطرفين، وغالباً ما يكون الزوج في هذه الحالات، أن رادار المراقبة هو أسمى صور الحفاظ على الشريك، هنا يتحول الزواج من رحلة سكن وطمأنينة إلى عملية استخباراتية معقدة، تشمل تفتيش الهواتف، ومراقبة سجلات المكالمات، وتتبع تحركات الزوجة عبر تقنيات تحديد المواقع، بل يصل الأمر في حالات كثيرة إلى استجواب الجيران ومراقبة نوافذ المنزل، هذا النوع من السلوك ليس غيرة، بل هو "اضطراب" نفسي يحول شريك الحياة إلى خصم يجب محاصرته، مما يخلق بيئة طاردة لا يمكن لأي امرأة أن تتعايش معها مهما بلغت درجة صبرها.
حكايات زوجات مع الغيرة القاتلة من الأزواج
وفي جولة أمام محاكم الأسرة ، تروي "هناء"، وهي مهندسة في الثلاثينات من عمرها، تفاصيل جحيم عاشته لمدة أربع سنوات، تقول هناء إن زوجها كان يرفض ذهابها إلى العمل بمفردها، وكان يفتعل المشاجرات إذا تأخرت لدقائق بسبب زحام الطريق، بل إنه قام بتركيب كاميرات مراقبة داخل غرف المنزل بحجة تأمين الأبناء، ليكتشف فيما بعد أنها لم تكن إلا أدوات لمراقبة أنفاسها وتحركاتها، تنهدت هناء وهي تقول إنها شعرت بأنها "سلعة" يملكها، وليست إنسانة لها كيان، مما دفعها لرفع دعوى خلع لتسترد كرامتها التي أهدرتها نوبات شكه المتكررة.
أما "سارة"، المعلمة الشابة، فكانت قصتها أكثر إثارة للصدمة، حيث تروي كيف تسبب زوجها في فصلها من عملها بسبب غيرته المريضة، فقد كان يداوم على الاتصال بمقر عملها عشرات المرات يومياً، ويقوم بزيارات مفاجئة للمدرسة ليراقب مع من تتحدث من زملائها، وعندما ضاقت إدارة المدرسة ذرعاً بتصرفاته، وضعت سارة بين خيارين؛ إما استقرار العمل أو استمرار هذه المشاهد المحرجة، وعندما واجهته، اتهمها في شرفها، وهنا قررت سارة أن الرحيل بالخلع هو القرار الوحيد الذي سيحفظ ما تبقى من صحتها النفسية، مؤكدة أن "الشك إذا دخل من الباب، خرج الحب من النافذة".
روشتة للرجال لتفادي مشاكل الغيرة
ويرى خبراء الاجتماع وعلم النفس أن الغيرة المرضية غالباً ما تعود بجذورها إلى انعدام الثقة بالنفس لدى الزوج، أو تجارب سابقة سلبية تركت ندوباً في شخصيته، أو ربما تربية ذكورية خاطئة تغذي مبدأ السيطرة المطلقة تحت مسمى القوامة، وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الزوج في هذه الحالة لا يرى نفسه مخطئاً، بل يرى نفسه حامياً للقيم، بينما هو في الحقيقة يدمر أهم قيمة في الزواج وهي "الأمان"، فالمرأة التي تشعر أنها مراقبة، تفقد الانتماء لبيتها، ويتحول ولاؤها للزوج إلى خوف وتوجس، مما يقتل العاطفة تدريجياً ويحول العلاقة إلى جسد بلا روح.
ولأننا في "اليوم السابع" لا نكتفي برصد المشكلة بل نسعى لوضع الحلول، نقدم روشتة متكاملة لتفادي الوصول إلى ساحات المحاكم، تبدأ أولاً بـ "الوقاية"، وهي ضرورة الصراحة التامة في فترة الخطوبة، ووضع حدود واضحة للخصوصية، فالثقة لا تُمنح بل تُبنى بالأفعال، ويجب على الزوجة ألا تتهاون في البداية مع مؤشرات الشك المرضي معتبرة إياها "خوفاً عليها"، لأن الصمت في البداية يغذي التمادي في النهاية، كما يجب على الزوج الذي يشعر بنوبات غيرة غير مبررة أن يمتلك الشجاعة للاعتراف بوجود مشكلة واللجوء لاستشاري علاقات أسرية قبل أن ينهار المعبد فوق رؤوس الجميع.
وتتضمن الروشتة أيضاً تعزيز "الاستقلال العاطفي"؛ فمن الخطأ أن يتمحور عالم أحد الطرفين حول الآخر بشكل خانق، فالهوايات والعمل والعلاقات الاجتماعية الصحية لكل طرف تخفف من حدة التركيز المبالغ فيه الذي يولد الغيرة، كما يجب تفعيل لغة الحوار الهادئ بعيداً عن الاتهامات، فعندما يشعر الزوج بالأمان النفسي، تقل حدة هواجسه، ولكن إذا استمر الشك رغم كل المحاولات، وأصبح يهدد السلامة الجسدية أو النفسية، فإن القانون قد منح المرأة حق الخلع كطوق نجاة، لإنقاذها من علاقة سامة قد تنتهي بما هو أسوأ من الطلاق.
إن البيوت تُبنى على المودة والرحمة، والغيرة الحقيقية هي التي تحمي البيت من العواصف، لا التي تكون هي العاصفة نفسها، إن الحفاظ على "عش الزوجية" يتطلب نفوساً سوية تدرك أن الحب هو منح الحرية للشريك وهو في قمة الالتزام، وليس تقييده بالسلاسل، محكمة الأسرة مليئة بالدروس والعبر، وأهم هذه الدروس أن "الشك" هو العدو الأول للاستقرار، وأن الزوجة التي تخلع زوجها بسبب غيرته، لا تبحث عن الانفلات، بل تبحث عن إنسان يحترم إنسانيتها ويؤمن بوفائها دون الحاجة لكاميرات مراقبة أو تفتيش في الضمائر.