هذه الجولة من الحرب الإيرانية فى مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، هى جولة خطرة، وتمثل تحولا كبيرا فى شكل الحروب، التى انتقلت بسرعة وخلال أعوام قليلة من المواجهات التقليدية الى حرب معلومات واختراقات وتجسس، وأيضا حرب دعاية تحمل الكثير من البيانات والمعلومات المضللة، وهناك دائما اختلاف فى نظرات المحللين الى ما يجرى، بناء على زوايا الرؤية ومدى القدرة على ترتيب الأحداث وربطها ببعضها.
لكن الاختلافات منذ 7 أكتوبر 2023 تتجاوز خلافات فى الرأى أو التحليل إلى صراعات تتجاوز حتى حروب مدرجات كرة القدم بين المشجعين والألتراس، وربما خلال الأعوام من 23 حتى الآن نرى البعض ممن يعيشون استقطابا حادا، وشعورا جارفا بالإحباط، يستهلكون أنواعا من الأخبار والتقارير تقترب من بعض أنواع المخدرات، ومنهم من أصبح يقيس علاقاته ومواقفه بغيره بناء على مدى اتفاقهم او اختلافهم مع آرائه، مثل اعتبار إيران على حق وأنها تنتصر فى الحرب وكان عليها رفض أى اتفاقات يمكن أن تمنع الدخول فى حرب معروف أنها مدمرة.
والواقع أن قراءة أى حدث أو صراع كانت - ولا تزال - يفترض أن تقوم على وقائع وليس على أهواء، أو حب وكراهية، ومن يرى عملية 7 أكتوبر، وطوفان الأقصى، قفزة فى الفراغ، لا يمكن اعتباره منحازا لإجرام الاحتلال وتطرف نتنياهو، بل إن من يرون الطوفان بداية تراجع وهزائم، وأنها عملية منحت الاحتلال فرصة لشن حرب إبادة، كان واعيا فيها للتنازل عن المحتجزين أحياء، مقابل إتمام إحدى أكبر عمليات الإبادة للفلسطينيين على مر التاريخ، ثم إن من استمروا يصفقون للطوفان، انخرطوا فى عملية تحليل عجيبة ترى أن الطوفان كان عملية انتحارية، وأن من حق المظلومين الانتحار، وهو نفس منطق تنظيمات داعش وغيرها من المحاربين بالوكالة، بينما لم تفد القضية بشىء.
ومنذ 7 أكتوبر، جرت مياه كثيرة وتكشفت الكثير من الثغرات فى محور المقاومة أو من يطلقون على أنفسهم هذا الاسم، والخلاف يمتد إلى تقييم العملية وما إذا كانت عملية مقاومة أم أنها قفزة فى الفراغ، وهل المقاومة يجب أن تحسب النتائج والأرباح والخسائر، أم أنها يجب أن تقوم بالعمليات بصرف النظر عن النتائج باعتبار أن الاحتلال معتد ويمارس الضرب ويقتل ويبيد، وهو ما يجعل المقاومة بأى شكل هى خطوة تستحق التحية، فى المقابل هناك من يرى أن المقاومة يجب أن تمزج بين المواجهة العنيفة وبين السياسة وأن أى خطوة عسكرية يجب أن تكون لها أهداف سياسية.
ومن الطبيعى أن تكون هناك مواقف متنوعة ومتناقضة من إيران وما إذا كان عليها ان تسعى لإبرام اتفاق يجنبها الحرب، وعدم الانصياع لإرادة دونالد ترامب ومعه نتنياهو تجاه الحرب، والضغط، بادعاءات وجود نية نووية، أو تطوير الصواريخ، وأيضا بعد الحرب فإن توسيع إيران للهجمات على دول الخليج بمزاعم ضرب قواعد أمريكية، بينما أغلب هذه القواعد تم إخلاؤها، وكان يفترض أن يعرف الإيرانيون هذا، وألا يتجهوا لتوسيع الصراع بلا هدف، وان يركزوا على حاملات الطائرات الأمريكية، أو يركزوا على تل أبيب مثلما فعلوا فى أبريل 2024 ردا على اغتيال إسماعيل هنية فى طهران، أو فى المواجهة التى جرت فى يونيو من العام الماضى.
والواقع أن من يؤيدون الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج بأى مبرر، يدخلون فى تبرير الاعتداء على السيادة وتغيب عنهم القدرة على التحليل بعيدا عن العواطف، وأن نتائج هذا العدوان ستكون سلبية على إيران، ثم إن التركيز على الاحتلال والحاملات الأمريكية يدعم التعاطف والتأييد لطهران.
بل وحتى انتقاد السياسات الإيرانية فى الإقليم على مدى سنوات، وتدعيم جماعات مسلحة فوق الدول، وخوض حروب بالوكالة، أمر يجب أن يراه من يقرأ الواقع، ويبحث عن تفسيرات بدلا من الغرق إمام فى تقارير مفبركة للاستهلاك العالمى أو الانخراط فى سب الهيمنة الأمريكية وتبنى نظريات مؤامرة، كانت طهران طوال سنوات جزءا منها، ثم إن أصحاب التصفيق الدائم لطهران والحرس الثورى، ليس لديهم تحليل أو تبرير لعمليات الاختراق والقتل التى تتم بمنهجية للقيادات الإيرانية والعلماء طوال عامين وحتى بدايات الحرب الحالية، والتى وصلت لاغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئى، وأنهم يضطرون لإعلان تأييد إطلاق حزب الله لصواريخ تجلب عليه وعلى لبنان قصفا وهجمات همجية واحتلالا قبيحا وإخلاء مناطق بالجنوب، يصل سكانها إلى 300 ألف، حزب الله لم ينجح فى مساندة غزة بعد الطوفان، وتعرض لاختراقات وعمليات اغتيال وصلت للسيد حسن نصر الله، وخلفاءه، ولا يمكن اعتبار ما يفعله فى هذه الحرب سوى انها انصياع لمصالح وتعليمات طهران، بشكل أكبر من التزام حزب الله بمصالح لبنان ومصالح مواطنيه، وهو ما يمثل استمرارا لسياسات انتحارية وادعاءات لا تسندها القوة أو القدرة. وتدخل صمن حسابات خاطئة خسائرها إضعاف مكاسبها المشكوك فيها أصلا.
كل هذا يجعل من العقل والمنطق والمعلومات الصحيحة طريقا أفضل لقراءة وتحليل الأحداث، بعيدا عن الحب والكراهية ومدرجات الدعاية العاطفية.