تتجدد في ذاكرة رمضان مشاهد اجتماعية وروحانية على أبواب جدة التاريخية، تعكس عمق التراث الحجازي وأصالته، حيث تتحول الأزقة العتيقة والبيوت التراثية إلى لوحات نابضة بالحياة، في مشهد يستحضر ملامح الماضي بروح الحاضر، ويستقطب الأهالي والزوار للاستمتاع بتجربة رمضانية فريدة في قلب محافظة جدة.
ويروي المرشد السياحي وأحد سكان جدة التاريخية قديمًا بندر الحربي لـ"واس" فرحة دخول رمضان بالماضي، مشيرًا إلى أن أجواء رمضان روحانية مفعمة بالبهجة وتبعث السرور في سكان جدة التاريخية، حيث كان يستقبله الناس بالفرحة والبهجة؛ إذ تتزين المنازل بالأتاريك في أواخر شعبان حتى يسمعوا طلقات "المدفع" إعلانًا بدخول شهر رمضان، ويتحول المشهد إلى الأسواق الشعبية حيث يتجول الأهالي لشراء مستلزمات الشهر الكريم، ومع حلول أول الأيام يتجمعون في الحارات على "المركاز" للتهنئة بقدوم الشهر الفضيل، في أجواء يسودها التراحم والتآلف بينهم.
وأضاف أن الأهالي كانوا ينتظرون "المسحراتي" كل ليلة لينبه النائمين بوقت السحور، إذ يُعد المسحراتي في جدة التاريخية رمزًا رمضانيًا أصيلًا؛ حيث كان قبل نحو 50 عامًا يطوف حارات الشام والمظلوم واليمن قبيل الفجر، قارعًا طبلته ومرددًا: "اصحى يا نايم وحد الدايم" و"السحور يا عباد الله".
وأشار إلى أن جميع أفراد الأسرة تجتمع على مائدة إفطار واحدة، ويتبادل الجيران الأطباق المختلفة وتسمى (الطُّعمة) بين الجيران تجسيدًا لقيم الترابط الاجتماعي بين الجيران في الحي الواحد، بالإضافة لإطعام عابري السبيل.
وتنتشر البسطات الشعبية التي تقدم المأكولات الحجازية المعروفة مثل البليلة والكبدة وأطباق السحور الشعبية، لتشكل عنصرًا أساسيًا في المائدة الرمضانية، إلى جانب كونها ملتقى اجتماعيًا يعزز التواصل بين أفراد المجتمع.
وبعد أداء صلاة التراويح تتجه الأنظار إلى الساحات والأزقة حيث تُمارس الألعاب الشعبية المختلفة مثل الكيرم، والبربر، والغميضة، والمزويقة، والمراجيح وغيرها.
وأكد أن جدة التاريخية تظل شاهدًا حيًا على ارتباط الإنسان بمكانه وتراثه، إذ تتوارث الأجيال هذه العادات جيلًا بعد جيل، محافظة بذلك على هوية ثقافية واجتماعية تشكل جزءًا أصيلًا من ذاكرة المجتمع، ويؤكد هذا أن رمضان ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو شهر للعبادة والتقرب إلى الله، تزداد فيه أواصر الترابط الاجتماعي والتسامح وصلة الرحم وروح المحبة والتكاتف.
يُذكر أن المنطقة تحتضن فعاليات ثقافية وتراثية متنوعة تشمل عروض الحرف اليدوية وورش عمل تعريفية بالتراث المحلي، إضافة إلى أنشطة مخصصة للأطفال والعائلات، وذلك سعيًا لإبراز الهوية التاريخية للمكان وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بموروثها الثقافي.