دينا عبد العليم تكتب: «الفلاش باك» فى رأس الافعى يرصد رحلة التطرف من سيد قطب إلى محمود عزت

الخميس، 05 مارس 2026 12:15 ص
دينا عبد العليم تكتب: «الفلاش باك» فى رأس الافعى يرصد رحلة التطرف من سيد قطب إلى محمود عزت دينا عبد العليم - مسلسل رأس الأفعى

تمرير الفكرة إلى عقل المشاهد أمر يختلف تمامًا عن مجرد توصيلها. فالتوصيل يعنى أن الرسالة وصلت، أما التمرير فيعنى أنها أثارت سؤالًا، وحرّكت شعورًا، ودفعت إلى إعادة النظر فى موقف أو قناعة. هذا المستوى من التأثير هو ما يحتاجه أى عمل درامى يسعى إلى ما هو أبعد من الحكى، وهو ما نجح فيه صناع مسلسل «رأس الأفعى» من خلال توظيف واعٍ لتقنية الفلاش باك.

منذ اللحظات الأولى لا يأتى الفلاش باك باعتباره عودة زمنية لملء فراغ سردى، بل كأداة لتأصيل الصراع. فالمواجهة المطروحة ليست طارئة، وإنما ممتدة الجذور، وما يحدث فى الحاضر هو نتيجة تراكم طويل. بهذا الاستخدام يتحول الماضى إلى عنصر فاعل فى تشكيل الحاضر، لا مجرد خلفية له.

نجح العمل فى توظيف الفلاش باك دون مماطلة أو مباشرة خطابية، فجاء منضبط الإيقاع، يخدم الدراما ولا يعلو عليها. ومن خلاله تتكشف التحولات النفسية والفكرية لشخصية محمود عزت، لا بوصفه قياديًا إرهابيًا فى صورته النهائية، بل كشخصية مرت بمراحل تشكّل معقدة. يعود السرد إلى البدايات، إلى لحظات التأثر الأولى بأفكار سيد قطب، حيث امتزج الانبهار الفكرى بالإيمان المطلق، حتى أصبحت الفكرة جزءًا أصيلًا من التكوين.

الفلاش باك هنا ليس استرجاعًا لحدث، بل أداة تفسير. كل عودة إلى الوراء تضيف طبقة جديدة إلى البناء الداخلى للشخصية؛ نراه شابًا يتلقى الأفكار باعتبارها يقينًا لا يحتمل النقاش، وكأن الماضى يتحول إلى مساحة مغلقة تتكوّن فيها القناعات الصلبة ووجهة النظر الأحادية التى لا تعترف بصوت آخر. وبهذا يصبح العنف نتيجة مسار فكرى ممتد، لا رد فعل عابرًا أو قرارًا مفاجئًا.

ومن خلال هذا البناء المتداخل تتضح فكرة محورية: التطرف لا يولد فجأة، بل يتشكل عبر تراكم اختيارات، كل منها يبدو صغيرًا فى لحظته، لكنه يرسخ تصورًا مغلقًا للعالم. الفلاش باك يمنح المشاهد القدرة على تتبع هذا المسار خطوة بخطوة، فيفهم الآليات دون أن يُدفع إلى التعاطف أو التبرير. فالمسافة النقدية حاضرة، والعمل لا يسعى إلى إثارة الشفقة، بل إلى كشف البنية الفكرية التى تبرر العنف باسم اليقين.

دراميًا، يكسر الفلاش باك خطية السرد، فيعكس اضطراب الشخصية ذاتها. الماضى لا يبقى خلفها، بل يلاحقها فى كل قرار، وكل تصاعد فى الحاضر يقابله رجوع إلى لحظة تأسيسية قديمة، وكأن ما يحدث الآن كُتب هناك، فى لحظات التلقى غير النقدى الأولى.

بهذا الاستخدام الواعى تتحول التقنية من حيلة زمنية إلى أداة تحليل فكرى ونفسى. ويضع المسلسل المتفرج أمام معادلة واضحة: حين تُغلق الفكرة على ذاتها وتُحصّن ضد المراجعة، تتحول إلى بنية صلبة قادرة على إنتاج العنف. وهنا لا يكتفى العمل بتوصيل الفكرة، بل ينجح فى تمريرها إلى عقل المشاهد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة