محمد الضوينى

رمضان.. موسمُ التغييرِ والإصلاحِ وإعادةِ بناءِ الإنسانِ

الخميس، 05 مارس 2026 09:43 ص


لقد جعلَ اللهُ مواسمَ الطاعاتِ مَهابطَ رحماتٍ، ومجالسَ نفحاتٍ، يوقظُ بها القلوبَ بعد غفلتها، ويشحذُ بها النفوسَ بعد خمولِها، ومن هذه المواسمِ شهرُ رمضانَ المباركُ، الذى يُعَدُّ موسمَ تحوُّلٍ شاملٍ، تُراجَعُ فيه المساراتُ، وتُصحَّحُ فيه النوايا، وتُعالَجُ فيه أمراضُ القلوبِ، وتتحوَّلُ فيه النفوسُ من الغفلةِ إلى اليقظةِ، ومن الفتورِ إلى العزيمةِ والاستقامةِ.

يُقبِلُ هذا الشهر كلَّ عامٍ كأنَّه نفحةٌ ربانيةٌ تُجدِّدُ فى القلوبِ معانى الإيمانِ، وتفتحُ أمامَ النفوسِ أبوابَ المراجعةِ والتقويمِ، فيغدو موسمًا عظيمًا للتغييرِ الصادقِ، والتحوُّلِ الحقيقى.

واكتسبَ رمضانُ هذه المزيةَ؛ لأنَّه شهرٌ تُصفَّدُ فيه الشياطينُ، وتُفتَّحُ فيه أبوابُ الجِنانِ، فيتهيَّأُ المناخُ الإيمانى ليكونَ الإنسانُ أقدرَ على مراجعةِ نفسِه، وكسرِ عاداتِه، وصناعةِ نسخةٍ أرقى من ذاتِه.

كما أنَّ الإنسانَ يستطيعُ فيه أن يتركَ ما أَلِفَه من شهواتٍ ساعاتٍ طويلةً ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، فإذا قَدِرَ على ذلك شهرًا كاملًا، فهو قادرٌ على  ذلك فى سائرِ العامِ. فقد جعلَ اللهُ شهر رمضان ميدانًا لتزكيةِ النفوسِ، وتهذيبِ الأخلاقِ، وإصلاحِ السرائرِ والظواهرِ، فقال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، فدلَّتِ الآيةُ الكريمةُ على أنَّ غايةَ الصيامِ ليست مجرَّدَ الامتناعِ عن الطعامِ والشرابِ، بل بلوغُ مرتبةِ التقوى، وهى جوهرُ التحوُّلِ وأعظمُ مراتبِ التغييرِ؛ إذ بها يصلحُ القلبُ، ويستقيمُ السلوكُ، وتتهذَّبُ الجوارحُ.

ومن أعظمِ ميادينِ التغييرِ فى هذا الشهرِ الكريمِ عَلاقةُ العبدِ بالقرآنِ؛ فرمضانُ شهرُ القرآنِ، قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ»، فالقرآنُ فى رمضانَ إعادةُ تشكيلِ الوعى، وبناءُ البصيرةِ، وإحياءُ الضميرِ، ومن لازَمَه فى هذا الشهرِ تبدَّلتْ موازينُه، وارتفعتْ همَّتُه، ومن أقبلَ عليه تلاوةً وتدبُّرًا وعملًا فقد فتحَ لنفسِه بابَ الهدايةِ والتجديدِ؛ إذ لا تغييرَ حقيقيًّا بلا نورِ الوحى، ولا صلاحَ بلا صلةٍ صادقةٍ بكلامِ اللهِ تعالى.

كما أنَّ رمضانَ مدرسةٌ عمليَّةٌ لتغييرِ السلوكِ؛ حيث يتعلَّمُ الصائمُ  فيه ضبطَ لسانِه، وحفظَ جوارحِه، وكفَّ أذاه عن الناسِ. قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفثْ ولا يَصخَبْ، فإن شاتمهُ أحدٌ أو قاتلَه فليقلْ: إنِّى امرؤٌ صائمٌ». فالصيامُ عبادةُ أخلاقٍ وانضباطٍ، تُخرِجُ من رمضانَ إنسانًا أكثرَ حلمًا، وأصدقَ قولًا، وألينَ قلبًا.

وختامًا، رمضانُ فرصةٌ ربانيةٌ لا تتكرَّرُ فى العامِ إلا مرَّةً، فمن أحسنَ استقبالَه بالتوبةِ الصادقةِ، والعزمِ الجادِّ، ومحاسبةِ النفسِ، خرجَ منه وقد تبدَّلتْ حالُه، ورقَّ قلبُه، واستنارَ طريقُه، وكان من الذين قال اللهُ فيهم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا»، فلتجعلْ من رمضانَ نقطةَ تغييرٍ حقيقيَّةٍ فى حياتِك وعاداتِك وأخلاقِك، فى صلتِك بأهلِك،فى عملِك، فى صفاءِ قلبِك، واجعلْه بدايةَ إصلاحٍ وتغييرٍ نحو حياةٍ أكثرَ إيمانًا باللهِ تعالى، والتزامًا بشريعتِه، وهدى نبيِّه صلى الله عليه وسلم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة