نحن لا نعيش نقصًا واحدًا، بل كل يوم نحن في حال مرة نطلب رزقًا، ومرة أخرى نطلب سكينةً، ويومًا نطلب قلبًا لا يزيغ بعد هداية، ويومًا نطلب مخرجًا من ضيق لا يراه غيرنا، وفي كل مرة نظن أن حاجتنا هي الشيء نفسه، ثم نكتشف أنها أعمق، نحن نحتاج إلى "هبة ربانية"... ومن هنا يأتي اسم الله "الوهاب".
ورد اسم الله "الوهاب" صريحًا في القرآن في ثلاثة مواضع، أولها في دعاء الراسخين في العلم "رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (آل عمران: 8)، وثانيها في سياق الرد على من يظنون أن خزائن الرحمة بيد البشر "أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ" (ص: 9)، وثالثها في دعاء سليمان عليه السلام: "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (ص: 35)، هذه المواضع الثلاثة تكشف زاوية مهمة هي أن "الوهاب" ليس اسمًا يستحضر في طلب الدنيا وحدها، بل يستحضر في طلب الثبات أولًا، وفي مواجهة احتكار السلطة للرحمة ثانيًا، وفي سؤال مُلكٍ يكون آيةً على قدرة الله ثالثًا.
واسم الله "الوهاب" في اللغة، ويعود إلى الجذر (و-ه-ب) الذي يدور على معنى العطاء بلا عوض، ففي "لسان العرب" يرد توصيف "وهاب" على أنه "كثير الهبة" بصيغة مبالغة، ويشير ابن فارس في "مقاييس اللغة" إلى استعمالات مادة "وهب" في باب العطاء وقبول الهبة وما يتصل بها من دلالات.
وجاء اسم الله الوهاب عند المفسرين، في تفسير قوله تعالى "إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" (آل عمران: 8)، يقرر السعدي أن معنى "الوهاب" هو "واسع العطايا والهبات"، ويجعل موضع الاسم هنا مرتبطًا بطلب رحمة تثبت على الخير وتعصم من الزيغ، وفي تفسير (ص: 9) يوضح الطبري أن معنى "العزيز الوهّاب" هو الذي يهب لمن يشاء ما يشاء من ملكٍ وسلطانٍ ونبوة، وأن خزائن الرحمة ليست لأحدٍ أن يمنعها عن أحد، أما عند ابن كثير في تفسير (ص: 9) فيبين أن "الوهاب" هو الذي يعطي ما يريد لمن يريد، نافذ المشيئة، لا معقب لحكمه، وفي تفسير (ص: 35) يذكر ابن كثير أن سليمان عليه السلام سأل مُلكًا خاصًا لا يكون لأحدٍ بعده مثله، وهو ظاهر السياق، وتسانده الأحاديث الصحيحة في المعنى العام لسياق القصة، بهذا يصبح "الوهّاب" اسمًا يربط العطية بالمعنى، الهبة قد تكون مُلكًا، وقد تكون رحمةً، وقد تكون ثباتًا، وقد تكون فتحًا في الفهم، وكلها في النهاية تدبير يخرج من خزائن لا تنفد.
اسم الله الوهاب في كتب التراث، يقول أبو حامد الغزالي في "المقصد الأسنى" إن الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، وأن حقيقة الجود والهبة لا تتصور على تمامها إلا من الله تعالى لأنه يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه لا لعوض ولا لغرض عاجل ولا آجل، ويشدد على أن من أعطى وفي عطائه غرض يعود عليه، ثناءً أو مدحًا أو سمعةً أو دفعَ مذمة، فليس "وهابًا" على الحقيقة، لأن العوض قد يكون معنى لا عينًا، بينما الوهاب الحق هو الذي يفيض بالخير بلا انتظار مقابل.
وعليه فإن اسم "الوهاب" لا يعلم الإنسان كيف يطلب فقط، بل يعلمه كيف يعيش بعد أن يُعطى، كيف يبقى متواضعًا، وكيف يرى ما عنده "هبة" لا "استحقاقًا"، وأن يفهم أن العطاء إذا لم يُصلح صاحبه فقد صار فتنةً عليه لا نعمة.
فإذا ضاق بك شيء، فباب "الوهّاب" لا يُغلق، وإن فُتح لك شيء، فباب "الشكر" هو الذي يحفظ الهبة من التحول إلى قسوة، وإن التبس عليك الطريق، فاسأل "رحمةً" أولًا، لأن الرحمة هي العطية التي تنقذك.