فى التاسع من فبراير الماضى، كتبت مقالا منشورا فى هذه المساحة بعنوان «مصر والسعودية وتركيا وباكستان.. تحالف الضرورة لإيقاف مخططات تمزيق الخرائط»، ذكرت فيه أن الدول الفاعلة والمؤثرة فى المنطقة، لو اتحدت، وعقدت فيما بينها تحالف الضرورة، والتصدى للمخططات الكارثية الرامية لتفتيت المنطقة والاستحواذ على مقدراتها، فإنه سيكون خطوة مهمة قادرة على كسر احتكار القوة، بشرط أن يكون هذا التحالف خيوطه متماسكة قوية لا ينال منها مخططات، وغير قابلة للاختراق، وأن يدرك الجميع بأنه فى مرمى النيران، وكلما كان هناك تحالف قوى، توفرت القدرة على صيانة الأمن القومى لهذه الدول، ومنع تمزيق الإقليم.
كما أوضحت أيضا، أن من أبرز الدول التى يمكن لها أن تشكل تحالف الضرورة، مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، لكل منها خصوصيتها وقدراتها الخاصة التى تتمتع بها، فالرباعى لا يتشابه من حيث القدرات ولا من حيث المواقع الجيوسياسية، لكنها تشترك فى عامل جوهرى، أن كل دولة تمتلك أدوات نفوذ قادرة على عرقلة أو احتواء محاولات تمزيق الخرائط العنيفة، ويمثل تحالفا قويا لا تخطئه العين، يصون بقوة الأمن القومى العربى والإسلامى.
وفى ظل التصعيد الحالى، والحرب العبثية بين الأطراف الثلاثة، أمريكا وإسرائيل من جانب، وإيران وأذرعها من جانب آخر، كان من الضرورى تحرك الرباعى، انطلاقا من مقولة الإمام الشافعى: «ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتولى أنت جميع أمرك»، لذلك قرر الرباعى التنسيق والتشاور ثم عقد قمة لوزراء خارجية الدول الأربعة، بباكستان أمس الأول الأحد، وعنوانه العريض والمعلن، بحث خفض التصعيد واحتواء التوترات المتصاعدة فى المنطقة، لكن غير المعلن، ربما ناقش الاجتماع التحول من «التنسيق السياسى» بينهم إلى «التحالف الاستراتيجى».
لكن كل المراقبين لهذا الاجتماع، يؤكدون أنه بالفعل ناقش احتواء التصعيد العسكرى الدائر الآن، الذى يهدد الأخضر واليابس، وفتح قنوات سياسية ساخنة وقوية لخفض هذا التوتر، وبحث إمكانية الدفع نحو تسوية أوسع.
المؤكد أن الإقليم بشكل خاص، والمجتمع الدولى على وجه العموم، أمام ما يمكن أن يطلق عليه «منصة تنسيق سياسى» ولم يتحول الأمر بعد إلى «تحالف رسمى معلن» سواء كان هذا التحالف سياسيا أو عسكريا، مكتملا، ورغم ذلك هناك مؤشرات تؤكد أنه ربما يتم الإعلان عن هذا التحالف قريبا، فى ظل مخاطر لا يمكن إغفالها، منها أن كل دولة من الأربعة تواجه تهديدات بشكل أو بآخر، ما يدفعها إلى ضرورة التنسيق، ويرى الجميع أن تصاعد الأوضاع فى المنطقة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية وإيران، أدى إلى اهتزاز الثقة بعنف فى الولايات المتحدة الأمريكية، وقدرتها على إدارة الأزمات بمفردها.
وربما يسأل سائل، ما هى القوة والقدرة الحقيقية لهذا التحالف فى حالة تشكيله؟ والإجابة وبشكل واضح، ووفق مرتكزات جيوسياسية وعسكرية واقتصادية، أن التحالف الرباعى سيشكل قوة متعددة الأبعاد. فمن الناحية السياسية، يمثل قدرة «سنية» وإقليمية واسعة، يمتلك الثقة والمصداقية والقدرة على فرض مبادرات تهدئة أو تصعيد.
ومن الجانب العسكرى، فالتحالف يضم قوى كبيرة، فباكستان تمتلك أسلحة الردع النووى، بينما تركيا عضو مهم فى الناتو، فى حين مصر تمتلك جيشا قويا، ورقما صحيحا وفاعلا فى معادلات القوة العسكرية فى العالم، فى حين تمتلك المملكة العربية السعودية قوة اقتصادية قادرة على تمويل عسكرى هائل، علاوة على ما تمتلكه من أسلحة متطورة، ناهيك عن تأثيرها الكبير فى العالم الإسلامى، أى أن هذا التحالف يمتلك قدرات بشرية، عسكرية، ومظلة نووية، وقدرات مالية، وتأثيرات سياسية، بجانب المواقع الجغرافية الاستراتيجية، للرباعى.
أيضا، هناك سؤال يبحث عن إجابة شافية.. هل يستطيع هذا التحالف أن يعيد التوازن للمنطقة؟ والإجابة ورغم تعقيداتها، نعم. إنه فى حالة إدراك الرباعى حجم المخاطر التسونامية، وامتلاك الإرادة والقرار المستقل ومنع تدخل القوى الكبرى لتفكيكه، وتغليب المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية المعقدة، فإنه قادر على إعادة التوازن ويمثل إزعاجا استراتيجيا.
إذا ما انتقل التحالف الرباعى من خانة التنسيق السياسى إلى التحالف، وامتلك قراره، فإنه سيعيد التوازن للمنطقة، ويفرض إرادته، فالقوة الحقيقية أن تفرض إرادتك.