عصام خليل

في قلب العاصفة.. تتجلى سيادة القرار

الثلاثاء، 31 مارس 2026 04:28 م


لا تُختبر حقيقة القيادة في أيام الصحو والهدوء، بل في اللحظات التي تشتد فيها الرياح، وتتشابك فيها الحسابات، وتبدو فيها الغيوم كثيفة لدرجة تحجب الأفق. فالقيادة الحقيقية ليست مجرد إدارة للموقف الراهن، بل هي قدرة استثنائية على استشراف المآلات، واحتواء التداعيات قبل أن تتبلور إلى أزمات خانقة.

وما يدور حولنا اليوم في إقليم مضطرب، حيث تتصاعد وتيرة التوترات بين محاور إقليمية ودولية كبرى، وتتلون فيها خريطة الطاقة بالمخاطر، يضع الدولة المصرية أمام اختبار دقيق، خرجت منه ببصمة "عقل الدولة" الذي لا يرتبك، ولا يرتجل.

في خضم هذا الزلزال الجيوسياسي، حيث ترتجف شرايين الإمداد العالمية، وتتلوح في الأفق مخاطر حقيقية تمس الممرات الحيوية كمضيق هرمز، كان التحرك المصري لتأمين الاحتياجات النفطية رسالة واضحة للعالم قبل للداخل. لم تنتظر القاهرة حتى تغلي الأزمة، بل سبقت الحدث بخطوة جسورة عبر الهيئة المصرية العامة للبترول، نسجت خلالها بدائل واقعية تحصن الجبهة الداخلية من أي ارتباك محتمل.

إن الاتفاق مع المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا لتوريد نحو 1.2 مليون برميل شهريًا، يتجاوز بكثير كونه مجرد "عقد توريد" أو تعويضًا لكميات توقفت من جهة أخرى؛ إنه تجسيد لفلسفة عليا في إدارة الموارد الوطنية.

فلسفة تقوم على مبدأ "عدم وضع كل البيض في سلة واحدة"، وتوسيع دوائر الحركة في لحظة تاريخية تضيق فيها الخيارات.

وليبيا هنا ليست مجرد بديل تجاري، بل هي عمق استراتيجي وشريك جغرافي يمنح مصر ميزة لوجستية فريدة، تقلل تكلفة النقل، وتسرع وتيرة الإمداد، مما يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني في وجه الصدمات الخارجية.

إنها قراءة واعية للجغرافيا باعتبارها رصيدًا للقوة، وليس مجرد خطوط فاصلة على الخريطة.

ولا ينظر هذا التحرك بمعزل عن الرؤية الشاملة التي تدرك أن أمن الطاقة في عصرنا الراهن لم يعد شأنًا فنيًا أو اقتصاديًا بحتًا، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الشامل.

الدولة التي تضمن تدفق شرايين الطاقة لديها، هي الدولة التي تؤمن استقرار صناعتها، وانتظام خدماتها، وطمأنينة مواطنها.

ومن هذا المنطلق، لم يكن التحرك المصري مجرد سعي لتأمين براميل نفط، بل كان تأمينًا لمسار دولة كاملة، وحفاظًا على سيادتها في مواجهة عالم يزداد اضطرابًا.

وفي ذات الوقت، فإن استمرار وتيرة الإمدادات من السعودية الشقيقة، مع احتمالات زيادتها، يعكس حكمة دبلوماسية عالية، وقدرة على الحفاظ على توازن العلاقات العربية، وعدم الارتهان لخيار أحادي، بل إدارة شبكة معقدة من الشراكات الإقليمية بما يخدم المصلحة الوطنية العليا أولًا وأخيرًا.

إن ما نشهده اليوم هو انتقال نوعي هادئ من مرحلة "رد الفعل" إلى مرحلة "صناعة الفعل"؛ من تلقي الصدمات إلى امتصاصها وتحويلها إلى فرص. وهذه ليست مجرد سياسات مؤقتة، بل هي تعبير عن عقل دولة يمتلك من الحكمة والرؤية ما يجعله يرى في الأزمات مساحات للحركة، وفي التحديات فرصًا لإعادة البناء.

هذه الخطوة تكشف بوضوح أن مصر لا تتحرك داخل حدود الأزمة، بل تحلق فوقها.

وأن القيادة السياسية، وهي تدير واحدًا من أعقد ملفات اللحظة الراهنة، لا تكتفي بإطفاء الحرائق، بل تعيد رسم المعادلات بما يضمن أن تظل الدولة واقفة بثبات الجبال، مهما اشتدت العواصف من حولها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة