يوجد فى مصر 5 ملايين سيارة ركوب والسوق يحتاج لضعف العدد
أكد المهندس أحمد بهاء شلبى، رئيس لجنة الصناعة بمجلس النواب، أن قطاع الصناعة فى مصر يمتلك اليوم كل المقومات ليصبح وجهة استثمارية عالمية من الطراز الأول؛ فإلى جانب الاستقرار الأمنى والسياسى الذى تنعم به البلاد، تمتلك مصر سوقا استهلاكيا ضخما يتجاوز 100 مليون نسمة، بما يضمن للمستثمر طلبا محليا مستداما، وقاعدة عمالة شابة ومؤهلة. كما تمتلك مصر ميزة تنافسية كبرى تتمثل فى ثراء مواردها الطبيعية وتوافر المواد الخام اللازمة للعديد من الصناعات الثقيلة والتحويلية، خاصة فى ظل توجه الدولة نحو التوسع فى عمليات البحث والتنقيب عن الخامات الأولية، لضمان استدامة الإنتاج المحلى وتقليل فاتورة الاستيراد.
وأوضح أن الأزمات الإقليمية وما تبعها من اضطراب فى سلاسل الإمداد العالمية رسخت مكانة مصر كبديل استراتيجى آمن وموثوق، مشيرا إلى أن التفاؤل بمستقبل الصناعة يتطلب الارتكاز على محددات واضحة ومستقرة لدى الحكومة، فى مقدمتها الاستقرار على خطط توطين صناعات محددة، وتوجيه الحوافز الضريبية للقطاعات ذات الأولوية، بالتوازى مع زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، لضمان جودة وتنافسية المنتج المصرى فى الأسواق الدولية.
وأضاف شلبى، فى حوار خاص مع «اليوم السابع»، أن خارطة الطريق لجذب الاستثمار الأجنبى تتطلب انتقالا جذريا نحو بيئة أعمال مرنة، تبدأ من ربط الحوافز بالقدرة الإنتاجية، وتسريع حركة التجارة عبر الموانئ، مشيرا إلى أن التوجه الاستراتيجى الحالى يجب أن يمنح الأولوية لتمويل توطين تكنولوجيا إنتاج المعدات والآلات داخل مصر، بما يضمن استقلالية الصناعة الوطنية وخفض تكاليف التشغيل، ويعزز من تنافسية السوق المصرية إقليميا..
وإلى نص الحوار:
ماذا ينقص ملف الصناعة فى مصر حاليا من وجهة نظرك؟
نحتاج فى المقام الأول إلى تكامل واتساق بين السياسات المالية والقرارات الصناعية؛ فلا يمكن أن نتبنى استراتيجية قومية لتوطين صناعة بعينها بينما تمنح السياسة الجمركية امتيازات للمنتج المستورد المنافس، فعلى سبيل المثال قطاع الألواح الشمسية أو الأجهزة المنزلية المعقدة؛ إذا كنا نسعى لإنشاء قاعدة تصنيعية لمكونات الطاقة المتجددة أو الأجهزة الإلكترونية، فلا يعقل أن تتساوى الرسوم الجمركية على «المنتج النهائى المستورد» مع الرسوم على «مستلزمات الإنتاج والمواد الخام» التى يحتاجها المصنع المحلى. الحماية الجمركية الذكية هى التى تفرض رسوما على المنتج التام لتعطى ميزة سعرية للمنتج الذى يُصنع على أرض مصر.
إن أى صناعة نستهدف توطينها يجب أن نحميها أولا بقرارات مالية شجاعة تخلق حوافز حقيقية لرجال الأعمال لدخول السوق، كما أن الفجوة التى نعانى منها اليوم ليست فى القدرة على التصنيع فحسب، بل فى عدم استغلال القوة الاستهلاكية الهائلة للسوق المصرى وبنظرة سريعة على قطاعات حيوية كقطاع السيارات، نكتشف حجم الفرص الضائعة؛ فمصر بامتلاكها نحو 10 ملايين مركبة، لا تزال تسجل نسبة متواضعة جدا مقارنة بكثافتها السكانية «بمعدل 1 إلى 20»، بينما نجد دولا فى محيطنا الإقليمى مثل المغرب وتركيا قد استطاعت مضاعفة هذه النسب وتحويل أسواقها إلى قلاع صناعية وتصديرية كبرى.
هذا التباين يؤكد أن مستهدفاتنا الصناعية الحالية لا تزال متواضعة ولا تتماشى مع حجم السوق الحقيقى؛ لذا فإن أى استراتيجية لتوطين الصناعة يجب أن تبدأ من تعظيم الاستفادة من قاعدة المستهلكين المصريين، وتحويل هذا الطلب المحلى الضخم إلى قوة ضاربة تجذب رؤوس الأموال وتفرض وجود المنتج المصرى كبديل أول وأقوى، بدلا من تركه ساحة مفتوحة للمنتج المستورد.
هل مصر لديها بنية تحتية تتحمل هذا العدد من المركبات؟
هذا أمر ضرورى فنحن نحتاج أيضا إلى بنية تحتية تستطيع أن تتحمل عدد المركبات المطلوبة، خاصة ونحن فى حاجة إلى رفع مستوى صناعة كصناعة السيارات فى مصر، وحينما نتحدث عن هذا القطاع يجب أن يكون هناك توازن فى الميزان التجارى الخاص بالسيارات فى مصر وتعظيم المصانع العاملة فى المكون المحلى لهذه الصناعة هذا بالإضافة إلى النقطة الثالثة والتى لها علاقة بالتنافسية والتكلفة ولها علاقة بالتخليص الجمركى وهذا يؤثر فى التنافسية، فكلما زاد زمن الإفراج الجمركى كلما ارتفع سعر السلعة وأثر على تقديمها للمستهلك.
ما رأيك فى عودة ظاهرة الأوفر برايس للسيارات فى مصر مرة أخرى؟
حقيقة الأمر أن أى سبب لهذه الظاهرة يعود فى المقام الأول للعرض والطلب، ومن ثم إتاحة منتجات زيادة تعنى التزام أكثر بالأسعار وانتهاء ظاهرة الأوفر برايس، وهنا نؤصل لسبب المشكلة الرئيسى حيث كانت الظاهرة انتهت فى السابق بعد مشكلة تتعلق بالإفراج عن السيارات وتوفيرها نظرا لأنه كانت هناك مشكلة فى توفير العملة، لكن بعد حل الأزمة نجد الظاهرة انتهت وعادت مرة أخرى بشكلها فى الفترة الأخيرة نظرا لضرورة إتاحة العرض والطلب ليس أكثر أو أقل.
ما رأيك فى المناداة بتطبيق التسعيرة الجبرية فى مصر؟
لو سألتنى عن وجهة نظرى الخاصة فأنا ضد فكرة التسعيرة الجبرية لسبب واحد، نحن نحتاج إلى سوق حر والأسهل والأفضل أن ننظم السوق لا أن نفرض تسعيرة جبرية.
ماذا عن المناطق الحرة فى مصر؟
القصة ليست فى وفرة المناطق الحرة بقدر تسهيل الإجراءات والقضاء على البيروقراطية، الصناعة فى مصر تحتاج إلى بيئة صحية ومناخ جيد أولا وأخيرا، وهذا الأمر الذى يسهل على المواطنين كل شىء، هو يحسن سوق السلع وتسعيرها، هو من يحدد توافرها، هو من يحدد إقبال رجال الأعمال على السوق المصرى والاستثمار فيه.
هل لا تزال لدينا مشكلة فى إجراءات التراخيص بالمصانع أو غيرها أو بدء عمل الشركات؟
لقد قطعنا خطوات جادة فى تيسير الإجراءات عبر منظومة التأسيس بالإخطار، إلا أننا رصدنا مؤخرا تراجعا فى كفاءة التطبيق الفعلى، وهو ما يستلزم وقفة جادة، رؤيتنا فى اللجنة واضحة: تنظيم السوق لن يتحقق إلا بالفصل التام بين مقدم الخدمة ومتلقيها عبر الرقمنة الشاملة، مع ضرورة تفكيك بيروقراطية الآليات التى تعطل تدفق الاستثمارات، لضمان بيئة عمل مرنة تحترم وقت المستثمر وجهده.
ماذا عن أزمة المصانع المتعثرة فى مصر؟
لدينا فى مصر مصانع متعثرة تصل إلى 10% من جملة المصانع تقريبا، حيث يقدر عدد المصانع فى مصر بنحو 70 ألف مصنع، والمصانع المتعثرة غير المصانع المغلقة أيضا، بما يعنى أن لدينا 7 آلاف مصنع متعثر يجب أن نحل مشكلاتها، فهذه المصانع تعتبر ثروة قومية التفريط فيها يعد إهدارا لهذه الثروة؛ بنية تحتية متواجدة وآلات ومعدات ولا يجب أن نترك هذه الأزمة، أما الأمر الآخر فى الصناعة فيتعلق بمبدأ إتاحة الأراضى وحقيقة الأمر أن وزارة الصناعة بدأت طرح أراض فى الفترة الأخيرة وهذا أمر جيد للغاية إلا أنه ينبغى أن نتحدث عن مبادرات التمويل وهنا نود أن نفرق بين أمرين، الأول هل التمويل يكون لشراء الآلات والمعدات من الخارج أم التمويل يكون لتصنيعها محليا، فلا يمكن لدولة تريد أن تطور ملف الصناعة ولا تصنع آلاتها ومعداتها ومن ثم يجب أن يكون التمويل لتصنيع الآلات والمعدات فى مصر لا لاستيرادها.
هذا يعنى أن الروشتة المثالية للتصنيع تكون من وجهة نظرك إزاى؟
فى البداية، يجب أن نؤكد أنه لا توجد «روشتة مثالية» ثابتة أو حلول سحرية جاهزة للصناعة، فالتحديات متغيرة والسوق العالمى متسارع؛ ولكننا نتحدث عن محاور رئيسية ذات أولوية تمثل حجر الزاوية لأى نهضة صناعية حقيقية ترتكز على ثلاثة محاور متوازية: أولا، جعل الإنفاق على البحث والتطوير أولوية قصوى لضمان تنافسية المنتج المحلى. ثانيا، استبدال الإعفاءات العامة بسياسات ضريبية نوعية توفر حوافز ذكية لقطاعات استراتيجية محددة نستهدف توطينها، بعيدا عن المزايا العقارية غير المشروطة. ثالثا، ربط الحوافز الحكومية بمعدلات زيادة الإنتاج الفعلى، لننتقل من مرحلة «الدعم الإنشائى» إلى مرحلة «الدعم الإنتاجى».
حضرتك أكثر من مرة تتحدث عن ضرورة التوجه لصناعات بعينها وتوطينها حتى ندعم الاقتصاد فى مصر، هو احنا فى مصر عارفين الصناعات دى وواضحة قدامنا أم لا؟
بالتأكيد احنا كمصر عارفين هنصنع إيه وعاوزين منتج إيه، هذه ليست الإشكالية، لكن الإشكالية أن نبدأ فى دعم صناعات بعينها ثم نتراجع وبعدها نبدأ فى صناعات جديدة، الاستقرار فى دعم وتوطين صناعات بعينها أمر مهم وحيوى للغاية إذا كنا نخطط بجدية لتوطين الصناعة فى مصر.
هل حضرتك متفائل بوجود وزير الصناعة الجديد خالد هاشم؟
بكل تأكيد، هناك حالة كبيرة من التفاؤل المرتكز على مؤشرات ملموسة؛ فالوزير أبدى جدية واضحة بوجوده داخل لجنة الصناعة بمجلس النواب فور أدائه حلف اليمين، وما يبعث على الثقة ليس فقط سرعة التواجد، بل التفاعل الفورى والإيجابى مع توصيات اللجنة، حيث نلمس الآن وجود تنسيق دائم ومتابعة دقيقة لكل الملفات العاجلة التى نطرحها، نحن أمام قيادة تعى قيمة التكامل بين الرؤية البرلمانية والخطط التنفيذية، وننتظر منه الكثير لتحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس ينهض بالصناعة الوطنية.
