فى الحروب العسكرية التقليدية، تكون خطوط المواجهة معلومة، والجبهات واضحة، وبنك الأهداف محددا، ووجود أكثر من سيناريو معد مسبقا، يوائم الطوارئ ويتصدى للمفاجآت وتغيير مسار وتكتيكات المعركة، وبتطبيق هذه النظريات البديهية على المعركة الدائرة الآن بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة ثانية، فمن الملاحظ أنها نمط مختلف، عبارة عن صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه العمليات العسكرية المباشرة، مع الضربات الاقتصادية الخطيرة والمؤثرة على معظم دول العالم، والحرب السيبرانية، والطعنات الصادمة للأصدقاء والجيران قبل الأعداء، مع تزايد الخطر واتساع رقعتها على الخريطة الجغرافية، وما تجلبه من تعقيدات فى الموقف، لتتحول الحرب برمتها إلى «لعبة شطرنج فى غرفة حالكة السواد» كل لاعب يتحرك دون رؤية كاملة أو حتى جزئية، فيفرض خطواته على افتراضات أكثر منها يقين!
هذا التشبيه يعكس طبيعة الصراع المعاصر، كما تصفه عدد من المراكز البحثية الأمريكية أبرزها RAND Corporation التى تؤكد أن الحروب الحديثة لا تحسمها الضربات القوية وحدها، وإنما قدرات الأطراف على إدارة الاستنزاف والسيطرة على الإيقاع، ومنع الخصم من تحقيق نصر واضح!
وكل طرف من أطراف الصراع يرى أنه المنتصر، فاستراتيجية إيران فى المعركة قائمة على إطالة أمد المواجهة، لاستنزاف التحالف الأمريكى الإسرائيلى، وإغراقه فى مستنقع عميق، تكلفة فاتورته السياسية والاقتصادية باهظة، إلا أن هذه الاستراتيجية عند تفكيكها وإخضاعها لواقع مسرح العمليات، يتبين أنه يفتقد القدرة على التحليل الجيد، فأمريكا بوصفها القوة العسكرية الأكبر فى العالم، تمتلك قدرات هائلة على إدارة حروب ممتدة دون انهيار داخلى، مثلما حدث فى تجاربها فى العراق وأفغانستان، وأن التكلفة ربما تطول الجانب السياسى.
وفى الحروب الحديثة ووفق تقارير International Institute for Strategic Studies، فإن الكلفة تميل لصالح التفوق الجوى والتقنى، ما يجعل استنزاف أمريكا وإسرائيل ليس بالفداحة التى ربما يتوقعها الجانب الإيرانى، وفق المعايير العسكرية والواقع العملياتى على الأرض، ومن ثم فإن إطالة أمد الحرب لا تضعف واشنطن وتل أبيب فى المقام الأول بقدر أنها توزع الخسائر على الإقليم كله دون استثناء!
التأثيرات لن تمتد أثرها السيئ إلى اهتزاز سوق الطاقة، ولا إلى سلاسل الإمداد، وتأثيراته البالغة على زيادة كبيرة فى التضخم العالمى، وإنما التأثير بالغ السوء على الاستقرار الإقليمى، فالحرب الممتدة تعنى فتح جبهات فرعية وتغذية صراعات بالوكالة، ورفع معدلات التوتر الطائفى والسياسى، ما ينذر بتحويل المنطقة لمسرح فوضوى مفتوح، تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى مع حسابات اللاعبين الفاعلين فى المنطقة!
المعركة تنحرف يوما بعد يوم عن مسارها ولم يقتصر الأمر على توجيه الضربات لأهداف عسكرية، وإنما طالت البنية التحتية، مصانع وموانئ وشبكات الطاقة، والمنشآت الاقتصادية، محققة خسائر فادحة، تعويضها مكلف اقتصاديا.
هذا الانحراف المتصاعد فى أهداف المعركة، يصفه عدد من المحللين والمراقبين وأيضا بعض المراكز البحثية بـ«الضغط التراكمى» الهادف إلى إضعاف الدولة من الداخل وتفكيك قدراتها، إذا ما تم الوضع فى الاعتبار أن إعادة بناء البنية التحتية المدمرة تحتاج لسنوات طويلة، ربما تصل لعقود!
نتيجة هذه الحقيقة المجردة، تكشف بجلاء أن المعركة تحولت إلى «مباراة شطرنج فى غرفة مظلمة» كل لاعب فيها يتحرك وفق تقديرات ناقصة، ويلعب بالتخمين، فإيران تراهن على أن خصومها لن يتحملوا كلفة التصعيد الطويل، فى حين أن التحالف الأمريكى الإسرائيلى، يراهن على أن الضغط المتواصل سيؤدى إلى استسلام إيران!
وفى ظل الافتراضات وغياب الرؤية الكاملة الواضحة، تتحول الحسابات إلى خطايا وكوارث استراتيجية، وهنا تكمن طبيعة لعب الشطرنج فى الظلام، كل حركة تأتى وفق احتمال أن تكون خطوة النصر، فى حين ربما تكون بداية الانهيار!
التحليل المتطابق مع الواقع على الأرض لهذه المعركة، يشى بأنها تتحول إلى لعبة معقدة، وهذه التعقيدات تسير بسرعة لافتة على مدار الساعة، وأن اللاعبين يتحركون فى ظلام حالك السواد، ومن ثم فإن اللعب فى هذه الأجواء الظلامية لا يشى بمنتصر ورابح حقيقى، وسيؤدى إلى تعميق واستفحال الخسائر، وأن المنطقة هى الخاسرة الأكبر.
وطالما اللعب فى الظلام، فإن أسلحة الردع «النووى» ليس ببعيد، والضغط على «الزر» يقترب بسرعة دون أى تقديرات موقف لتباعاتها الكارثية فى المنطقة.
وفى الأخير، فإن اللعب فى الظلام يفقد الثقة فى اللاعبين الثلاثة، أمريكا وإسرائيل وإيران، والثلاثة على نفس الدرجة من الإجرام فى حق شعوب ومقدرات المنطقة!