في لحظة فارقة تتجلى فيها الحقيقة عارية من كل زيف، وخلف جدران التحقيق التي شهدت انهيار أوهام "الخلافة المزعومة"، لم تكن اعترافات القيادي بحركة حسم الإرهابية، علي محمود محمد عبد الونيس، مجرد سرد لوقائع إجرامية، بل كانت بمثابة صرخة ندم مدوية لخصت مأساة جيل كامل تم التغرير به في دهاليز الفكر المنحرف.
فبعد ضربة استباقية كبرى لوزارة الداخلية أسقطت خيوط الخلية الإرهابية، تحولت لهجة التحدي لدى "عبد الونيس" إلى أنين مرير ونحيب على أعمار ضاعت هباءً تحت أقدام قيادات تتاجر بالدماء من أجل حفنة من المال أو بريق زائف لمنصب زائل.
بصوت يملأه الانكسار، وجه القيادي الإرهابي رسالة "كفاية" إلى رفاق السوء الذين ما زالوا يسلكون طريق الدم، مستنكراً استرخاص أرواح الشباب وتدمير مستقبلهم في سجون لا ترحم، دون سبب سوى تحقيق مصالح شخصية وسياسية ضيقة للقيادات الهاربة. "كفاية أرواح الشباب اللي ضيعتوها"، هكذا صرخ عبد الونيس في اعترافاته الموثقة، مؤكداً أن كل من يدفع بالشباب إلى واجهة الموت يبحث في الحقيقة عن "جاه أو مال"، واصفاً الفكرة التي اعتنقها لسنوات بأنها "فكرة فاضية" لا تهدف إلا للوصول إلى الكرسي والسلطة، ومختتماً حديثه بـ "حسبي الله ونعم الوكيل" في كل من استغل حماسة الشباب ليبيع لهم الوهم مقابل دمار حياتهم.
ولم تتوقف لحظة المكاشفة عند حدود الندم السياسي، بل امتدت لتلمس أوتار الأبوة الجريحة؛ حيث وجه عبد الونيس رسالة مؤثرة إلى زوجته، يوصيها فيها بتربية ابنهما بعيداً عن ملوثات الفكر التنظيمي، طالباً منها أن تنشئه على "الإسلام الصحيح" الذي لا يعرف القتل ولا التخريب.
"ما تخليه ينضم لأي تنظيمات ولا أي مؤسسات.. هو الإسلام وكفاية"، كلمات كانت بمثابة شهادة وفاة رسمية لانتمائه السابق، وإعلان براءة من كل فكر يحاول اختطاف الدين لخدمة أجندات التخريب، بعدما أدرك المتهم متأخراً أنه ضيع عمره في "لاشيء مقابل لاشيء".
إن هذا المشهد الإنساني الذي رصدته أجهزة الأمن خلال التحقيقات، يمثل الوجه الآخر لنجاح الضربات الأمنية؛ فهو نجاح لا يقتصر على ضبط الجناة، بل يمتد لفك الحصار الفكري عن عقول ضللتها شعارات زائفة. فاعترافات قيادي بوزن "عبد الونيس" هي بمثابة "جرس إنذار" لكل شاب ما زال يظن أن طريق الإرهاب هو طريق الحق، بينما الواقع يثبت أنه طريق مسدود ينتهي إما بالدم أو بالندم خلف القضبان.